سون تزو في العصر الرقمي: الحرب الهجينة وإرث الاستراتيجية غير المباشرة
كتب الجنرال الصيني قبل خمسة وعشرين قرناً: ''ذروة الانتصار أن تُخضع عدوّك بلا قتال''. اليوم، تُحوّل هذه العبارة إلى عقيدة تشمل الخداع، التأثير، والسيبراني.
تُدرَّس نصوص سون تزو في الأكاديميات العسكرية من وست بوينت إلى سان-سير، ومن بكين إلى موسكو. لكنّ قلّة من القرّاء يدركون أنّ ما كان يَصِفه الجنرال الصيني قبل خمسة وعشرين قرناً ليس "حيلاً قديمة"، بل البنية العميقة للاستراتيجية ذاتها.
في كلّ عصر، تتغيّر الأسلحة وتبقى المبادئ. الحرب الهجينة التي نراها اليوم — خليط من الحرب السيبرانية، التضليل الإعلامي، الوكلاء، والضغط الاقتصادي — ليست اختراعاً حديثاً. إنّها عودة إلى ما اعتبره سون تزو دائماً ذروة الفنّ العسكري.
المبادئ الخمسة العابرة للعصور
١. الانتصار قبل القتال
"أفضل قادة الحرب هم من يهزمون عدوّهم قبل أن يعرف أنّه في حرب". هذا المبدأ يصف تماماً استراتيجية التأثير الروسي في الانتخابات الغربية، أو الضغط الاقتصادي الصيني على أستراليا ٢٠٢٠.
٢. معرفة النفس ومعرفة العدو
"من عرف نفسه وعرف عدوّه خاض مئة معركة بلا خطر". هذا هو بالضبط منطق الاستخبارات الحديثة وعمليّات "الحرب المعرفية".
٣. الخداع كأساس
"كلّ حرب خداع". من عمليّة "ميدج" البريطانية في الحرب العالمية الثانية، إلى التضليل الرقمي في أوكرانيا، تبقى هذه القاعدة ثابتة.
٤. تجنّب القوّة، ضرب الضعف
هذا ما نراه في الاستراتيجية الإيرانية عبر وكلائها: لا مواجهة مباشرة لأمريكا، بل ضغط على نقاط ضعفها (السعودية، إسرائيل، الخليج).
٥. التكيّف كقانون
"الماء لا يحتفظ بشكل ثابت، والجيش لا يحتفظ بتكتيك ثابت". الحرب الحديثة، أكثر من سابقاتها، تُكافئ القدرة على التحوّل السريع.
"في الحرب الحديثة، لا تُقاس الضربة بحجم الانفجار، بل بعدد القرارات التي تُجبِر العدوّ على اتّخاذها في وقت قصير." — الجنرال فاليري غيراسيموف، ٢٠١٣
"عقيدة غيراسيموف": سون تزو بالروسية
عام ٢٠١٣، كتب رئيس هيئة الأركان الروسية مقالاً أصبح مرجعيّاً: الحروب في القرن الواحد والعشرين ستكون "٤ أجزاء سياسية، ٣ أجزاء إعلامية، ٢ أجزاء اقتصادية، وجزء واحد عسكري". ما طبّقته روسيا في القرم ٢٠١٤، ثمّ حاولت تطبيقه في أوكرانيا ٢٠٢٢، يتبع هذه المعادلة حرفيّاً.
| الأداة الهجينة | المصدر التاريخي | التطبيق الحديث |
|---|---|---|
| التضليل الإعلامي | سون تزو، كلاوزفيتز | الروبوتات، التزييف العميق |
| الوكلاء | اليونان القديمة | ميليشيات إيران، فاغنر |
| الضغط الاقتصادي | الحصار اليوناني على ميغارا | العقوبات، المعادن الحرجة |
| الخداع العسكري | حصان طروادة | العمليّات تحت العلم الكاذب |
| تآكل الشرعية | ماكيافيلّي | الهجمات السيبرانية الانتخابية |
الغرب ضدّ الحرب الهجينة: أزمة الردّ
تحدّي الديمقراطيات الغربية أمام الحرب الهجينة تحدٍّ وجودي: كيف تردّ دولة تُقيّدها سيادة القانون وحرّية الصحافة ضدّ خصم لا يُقيّده أيّ منهما؟ الردّ المتماثل (تضليل مقابل تضليل) يُقوّض شرعيّتها الخاصة. والردّ غير المتماثل (عسكري مقابل هجين) يُصوّرها معتدية.
سيناريوهات الحرب الهجينة في ٢٠٣٠
تعميم الهجين
كلّ القوى الكبرى والمتوسّطة تتبنّى عقائد هجينة. الحروب التقليدية تصبح النادرة، والضغط الدائم هو القاعدة.
إطار دولي جديد
ظهور "قانون الحرب الهجينة" مشابه لاتفاقيات جنيف، لكن تطبيقه يبقى محدوداً.
تصعيد من الهجين إلى التقليدي
حادثة كبرى (انهيار شبكة كهرباء، خسائر مدنية) تُطلق ردّاً عسكريّاً كلاسيكيّاً، ما يكسر الخطوط الراهنة.