🔑 محاور المقالسون تزوالحرب الهجينةعقيدة غيراسيموفالحرب السيبرانيةالاستراتيجية غير المباشرة

تُدرَّس نصوص سون تزو في الأكاديميات العسكرية من وست بوينت إلى سان-سير، ومن بكين إلى موسكو. لكنّ قلّة من القرّاء يدركون أنّ ما كان يَصِفه الجنرال الصيني قبل خمسة وعشرين قرناً ليس "حيلاً قديمة"، بل البنية العميقة للاستراتيجية ذاتها.

في كلّ عصر، تتغيّر الأسلحة وتبقى المبادئ. الحرب الهجينة التي نراها اليوم - خليط من الحرب السيبرانية، التضليل الإعلامي، الوكلاء، والضغط الاقتصادي - ليست اختراعاً حديثاً. إنّها عودة إلى ما اعتبره سون تزو دائماً ذروة الفنّ العسكري.

المبادئ الخمسة العابرة للعصور

١. الانتصار قبل القتال

"أفضل قادة الحرب هم من يهزمون عدوّهم قبل أن يعرف أنّه في حرب". هذا المبدأ يصف تماماً استراتيجية التأثير الروسي في الانتخابات الغربية، أو الضغط الاقتصادي الصيني على أستراليا عام 2020.

٢. معرفة النفس ومعرفة العدو

"من عرف نفسه وعرف عدوّه خاض مئة معركة بلا خطر". هذا هو بالضبط منطق الاستخبارات الحديثة وعمليّات "الحرب المعرفية".

٣. الخداع كأساس

"كلّ حرب خداع". من عمليّة "ميدج" البريطانية في الحرب العالمية الثانية، إلى التضليل الرقمي في أوكرانيا، تبقى هذه القاعدة ثابتة.

٤. تجنّب القوّة، ضرب الضعف

هذا ما نراه في الاستراتيجية الإيرانية عبر وكلائها: لا مواجهة مباشرة لأمريكا، بل ضغط على نقاط ضعفها كالسعودية وإسرائيل ودول الخليج.

٥. التكيّف كقانون

"الماء لا يحتفظ بشكل ثابت، والجيش لا يحتفظ بتكتيك ثابت". الحرب الحديثة، أكثر من سابقاتها، تُكافئ القدرة على التحوّل السريع.

تؤكد الأرقام حجم هذا التحوّل: نحو 74 دولة تواجه اليوم عمليّات تأثير أجنبية منظّمة تستهدف رأيها العام ومؤسّساتها، بينما تخصّص الصين وحدها ما يُقدَّر بخمسة عشر مليار دولار سنوياً لما تسمّيه "الجبهة الأيديولوجية". والأهم أنّ نحو 85% من النزاعات النشطة حالياً تحمل طابعاً هجيناً لا تقليدياً، فيما تكشف الحسابات الاقتصادية للحرب الحديثة معادلة قاسية: الهجوم الهجين يكلّف غالباً أقلّ بثلاث مرّات من نظيره التقليدي - وهو ما يجعله الخيار الأكثر إغراءً لكلّ دولة تريد التأثير من دون تحمّل كلفة حرب معلنة.

"في الحرب الحديثة، لا تُقاس الضربة بحجم الانفجار، بل بعدد القرارات التي تُجبِر العدوّ على اتّخاذها في وقت قصير." - الجنرال فاليري غيراسيموف، ٢٠١٣

"عقيدة غيراسيموف": سون تزو بالروسية

عام 2013، كتب رئيس هيئة الأركان الروسية مقالاً أصبح مرجعيّاً: الحروب في القرن الواحد والعشرين ستكون "أربعة أجزاء سياسية، وثلاثة أجزاء إعلامية، وجزءان اقتصاديان، وجزء واحد عسكري". ما طبّقته روسيا في القرم عام 2014، ثمّ حاولت تطبيقه في أوكرانيا عام 2022، يتبع هذه المعادلة حرفيّاً.

وحين نتفحّص أدوات هذه العقيدة أداةً أداة، يتّضح أنّ لكلٍّ منها جذراً تاريخياً عريقاً لم يتغيّر سوى شكله. التضليل الإعلامي الذي مارسه سون تزو وكلاوزفيتز يظهر اليوم في هيئة روبوتات وتزييف عميق يغزو منصّات التواصل. الوكلاء الذين استخدمتهم اليونان القديمة تحوّلوا إلى ميليشيات تابعة لإيران أو مرتزقة مجموعة فاغنر الروسية. الحصار الاقتصادي الذي فرضته أثينا على ميغارا قبل الحرب البيلوبونيسية يتكرّر اليوم في هيئة عقوبات واستهداف لسلاسل إمداد المعادن الحرجة. حصان طروادة، ذلك الخداع العسكري الأسطوري، يجد صداه في العمليّات التي تُنفَّذ تحت علم كاذب. وحتى نصيحة ماكيافيلّي الشهيرة حول تآكل شرعية الخصم تتجسّد اليوم في الهجمات السيبرانية التي تستهدف نزاهة الانتخابات ذاتها. التاريخ، إذن، لا يُعيد نفسه بقدر ما يُعيد صياغة أدواته.

"لا يتغيّر الإنسان. تتغيّر أدواته فقط. وعقل سون تزو يفهم عالمنا أفضل ممّا نفهمه أحياناً."

الغرب ضدّ الحرب الهجينة: أزمة الردّ

تحدّي الديمقراطيات الغربية أمام الحرب الهجينة تحدٍّ وجودي: كيف تردّ دولة تُقيّدها سيادة القانون وحرّية الصحافة ضدّ خصم لا يُقيّده أيّ منهما؟ الردّ المتماثل - تضليل مقابل تضليل - يُقوّض شرعيّتها الخاصة. والردّ غير المتماثل - عسكري مقابل هجين - يُصوّرها معتدية. هذا المأزق المزدوج هو ما يُفسّر بطء وتردّد الاستجابات الغربية حتى الآن.

سيناريوهات الحرب الهجينة في ٢٠٣٠

فأين يتّجه هذا المسار بحلول عام 2030؟ الاحتمال الأرجح، بنسبة تناهز 55%، هو تعميم الهجين: أن تتبنّى كلّ القوى الكبرى والمتوسطة عقائد هجينة بشكل كامل، فتصبح الحروب التقليدية استثناءً والضغط الدائم غير المعلن هو القاعدة. احتمال ثانٍ، أضعف نسبيّاً بواقع 30%، يتمثّل في ظهور إطار قانوني دولي جديد يشبه اتفاقيات جنيف لكن يُعنى بالحرب الهجينة تحديداً - وإن كان تطبيقه الفعلي سيبقى محدوداً بحكم طبيعة هذه الحروب غير المعلنة. أمّا السيناريو الثالث والأقلّ احتمالاً - 15% فقط لكنّه الأخطر - فهو أن تتسبّب حادثة كبرى، كانهيار شبكة كهرباء وطنية أو سقوط خسائر مدنية جسيمة، في كسر الخطوط الراهنة وتحويل المواجهة الهجينة إلى ردٍّ عسكري كلاسيكي مباشر.

الأسئلة المتكرّرة

❓ أسئلة شائعة
هل الحرب الهجينة "حرب فعلية"؟
قانونيّاً، المسألة مُعقّدة. عمليّاً، نتائجها (خسائر بشرية، اقتصادية، سياسية) لا تختلف كثيراً عن حرب تقليدية منخفضة الحدّة.
من يُتقن الحرب الهجينة أكثر؟
روسيا تُتقن التخريب، الصين تُتقن التأثير طويل الأمد، إيران تُتقن شبكات الوكلاء، إسرائيل تُتقن السيبراني. لكلّ طرف ميزته.
هل يستطيع مواطن عادي "المشاركة" في هذه الحرب؟
نعم، من دون أن يدري. مشاركة معلومة على وسائل التواصل، النقر على رابط مشبوه، نشر رأي عاطفي: كلّها عناصر يُستخدمها اللاعبون الكبار.
⚔️
ناصر الصبري
ناصر الصبري
دراسات استراتيجية · geopolo

صحفي ومحلل في الجيوسياسة والعلاقات الدولية، متخصص في شؤون الأمن والدفاع.

📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت