عندما انطلقت أولى طلقات الهجوم الروسي على الأراضي الأوكرانية في فبراير ٢٠٢٢، كان قليلون يتوقّعون أن تتحوّل تلك الحرب، خلال سنوات، إلى أطول نزاع نظامي بين قوّة نوويّة وحلف غربي منذ نهاية الحرب الباردة. اليوم، وبعد أربع سنوات من القتال المتواصل، لم يعد السؤال "من سينتصر؟"، بل: ما هو النظام الدولي الذي سيُولد من رحم هذا الاستنزاف؟

الحرب في أوكرانيا تفيض عن جغرافيّتها. إنها في حقيقتها مواجهة بالوكالة بين موسكو وتحالف الأطلسي، تُدار بالسلاح الغربي والدم الأوكراني، وتُقاس نتائجها في مصانع الذخيرة في أوروبا بقدر ما تُقاس في خنادق دونباس.

اقتصاد الحرب: من هو الأسرع إلى التعبئة؟

ما كشفته المعارك على جبهة الشرق الأوكراني ليس تفوّق جيش على آخر، بل اختلال جوهري في منطق الزمن. روسيا، التي تحوّل اقتصادها منذ ٢٠٢٣ إلى اقتصاد حرب كامل، تُنتج اليوم ذخيرة مدفعية تفوق كلّ ما تستطيع دول الناتو الأوروبية إنتاجه مجتمعة. المصانع الروسية تعمل بثلاث ورديات، والدولة توجّه نحو ٣٥٪ من ميزانيتها الفدرالية نحو المجهود العسكري.

35% نسبة الإنفاق العسكري من الميزانية الفدرالية الروسية ٢٠٢٦
3.5M قذيفة مدفعية تُنتجها روسيا سنويّاً
1.2M قذيفة تُنتجها دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة
2% عدد دول الناتو التي تجاوزت عتبة الإنفاق المطلوبة

في المقابل، لا يزال الغرب يتعامل مع الإنتاج العسكري بمنطق السوق: عقود طويلة، موافقات بطيئة، وسلاسل إمداد معولمة هشّة. هذا التفاوت في إيقاع التعبئة هو ما يصنع اليوم ميزان القوى، أكثر من نوعية الأسلحة نفسها.

"الحرب لم تعد معركة بين جيوش، بل مسابقة بين نظامين صناعيّين. الأوّل يُعبّئ الدولة حول السلاح، والثاني يحاول أن يصنع السلاح دون أن يُزعج مستهلكيه." — من تحليل معهد برلين للدراسات الاستراتيجية، مارس ٢٠٢٦

ما تبقّى من خطّ كييف: الخريطة تتغيّر ببطء

التقدّم الميداني الروسي في شرق أوكرانيا تقدّم بطيء لكنه مستمرّ. لا اختراقات كبرى، بل قضم منهجي لقرى وخطوط دفاعية. الخسائر البشرية هائلة من الطرفين، لكن العقيدة الروسية تقبل هذه التكلفة طالما أنّ الخصم يستنزف أسرع.

الأطلسي أمام مرآته

في واشنطن وبروكسل، أصبح النقاش داخليّاً بقدر ما هو استراتيجي. هل يستطيع الحلف الاستمرار في تمويل كييف بلا أفق زمني واضح؟ وهل يملك الإرادة السياسية لإرسال قوّات فعلية إذا تجاوزت الحرب الخطوط الأوكرانية؟ التصدّعات تظهر بين العواصم الشرقية المطالِبة بالتصعيد (وارسو، تالين، فيلنيوس) والعواصم الغربية الحذِرة (برلين، روما، لشبونة).

"الزمن، لا الأرض، هو السلاح الأهمّ في هذه الحرب. من يصبر أطول، يكتب الشروط."

ثلاثة سيناريوهات لعام ٢٠٢٧

السيناريو الأوّل
40%

تجميد النزاع على خطوط التماس الحالية

صفقة هادئة تُبرم بوساطة دولة خليجية أو تركية، تُجمَّد على إثرها الجبهة دون اعتراف رسمي بالحدود الجديدة. هدنة هشّة أقرب إلى النموذج الكوري.

السيناريو الثاني
35%

استنزاف متواصل حتى ٢٠٢٨

استمرار النزاع المنخفض الحدّة، مع تراجع اهتمام الرأي العام الغربي وتآكل الدعم العسكري لكييف دون انهياره الكامل.

السيناريو الثالث
25%

انقلاب داخلي أو اقتصادي في موسكو

ضغط العقوبات والخسائر البشرية والتحوّل الديموغرافي يُنتج هزّة سياسية تُعيد التفاوض من موقع أضعف.

ماذا يعني هذا للنظام الدولي؟

بغضّ النظر عن السيناريو الذي سيتحقّق، فإنّ ما خسرته أوروبا بالفعل لا يُستعاد بسهولة: الوهم بأنّ القارّة العجوز انتهت من الحروب الكبرى. القدرة على بناء أمنها دون قوّة عظمى خارجية. الاقتناع بأنّ الاقتصاد يكفي لصناعة السياسة. كل هذه الأطروحات سقطت في خنادق دونباس.

أمريكا، من جهتها، تكتشف أنّ زمن "لحظة أحادية القطب" لم ينتهِ فحسب، بل أنّ كلفة الحفاظ على النفوذ ارتفعت أضعافاً. والصين تراقب بصبر، تتعلّم دروس العقوبات، وتُعدّل عقيدتها بما يتناسب مع الزمن القادم.

البعدروسياالغرب (الناتو)
الإنتاج الحربياقتصاد حرب كاملعقود سلم تدريجية التعبئة
التحمّل البشريعالٍ، بلا مساءلة داخليةمنخفض، مشروط بالرأي العام
الأفق الزمنيعقد أو أكثرمحدود بدورات انتخابية
التحالفاتالصين، إيران، كوريا الشمالية٣٢ دولة بأولويات متباينة
نقطة الضعفالديموغرافيا والاقتصادالتماسك السياسي الداخلي

الأسئلة المتكرّرة

هل يمكن لأوكرانيا "الانتصار" عسكريّاً؟
الانتصار بالمعنى التقليدي، أي استعادة كلّ الأراضي ومحاكمة القيادة الروسية، يكاد يكون مستحيلاً في المدى المنظور. الانتصار الواقعي سيكون الحفاظ على دولة ذات سيادة قابلة للحياة ومرتبطة بالهيكل الأوروبي.
ما الذي يخسره الغرب إن "تجمّد" النزاع؟
يخسر أكثر من مجرّد معركة: يخسر مصداقيّة ردعه. إذ سيستنتج الخصوم جميعاً أنّ الصبر الاستراتيجي يُكسر الحلف الأطلسي.
لماذا لا تستطيع أوروبا إنتاج ذخيرة بوتيرة روسيا؟
لأنّ قاعدتها الصناعية الدفاعية تقلّصت منذ التسعينيات، ولأنّها تعتمد على سلاسل إمداد معولمة بطيئة التعبئة. المشكلة هيكلية، لا ظرفية.
هل يمكن أن تتوسّع الحرب إلى دولة من الناتو؟
احتمال وقوع مواجهة مباشرة منخفض لكنّه ليس معدوماً، خصوصاً عبر حوادث "رماديّة" كهجمات سيبرانية أو عمليات تخريب في دول البلطيق أو بولندا.