في منطق الحروب الطويلة، الحسم المطلق استثناء والتعب المتبادل قاعدة. الحرب في أوكرانيا تُشير بكل مؤشراتها الراهنة نحو تصنيف «النزاع المُديد»: لا انتصار روسي قاطع يُغيّر الواقع جذرياً، ولا تحرير أوكراني لكل الأراضي المحتلة يبدو وشيكاً. ما يتشكّل على الأرض هو توازن مؤلم يصنع ضغوطاً هائلة نحو نوع من التسوية — لكن التسوية ذاتها تبدو مستحيلة بشروط مقبولة لكلا الطرفَين.
قياسات الإرادة والقدرة
أوكرانيا: المقاومة أو التفكيك
كييف تخوض حرب بقاء كدولة وأمة. القبول بتنازلات إقليمية دون ضمانات أمنية صارمة يُبدو التنازل كمكافأة على العدوان ويفتح الباب لمرحلة ثانية. لكن كُلفة الحرب الطويلة على الديموغرافيا والاقتصاد والبنية الاجتماعية تتراكم بوتيرة مقلقة.
روسيا: الانسحاب مستحيل سياسياً
بُعد الحرب في الخطاب الرسمي الروسي حرباً وجودية ضد الغرب يجعل أي تراجع ينتهي بكارثة داخلية للنظام. هذا الحبس يدفع موسكو نحو الاستمرار حتى لو كانت الكُلفة الفعلية تتجاوز ما كان مُقدَّراً.
الغرب: دعم مُقيَّد بالمنطق الانتخابي
الدعم الغربي رهين بالمناخ الانتخابي الداخلي في دول المانحين. تصاعد التيارات الشعبوية في أوروبا والأجندة الترامبية في أمريكا تُمثّل متغيرَين يُهددان ديمومة هذا الدعم.
ما يُحدد مصير الحرب الطويلة
ثلاثة متغيرات رئيسية تُحدد مسار النزاع: أولاً، الإرادة السياسية الغربية للحفاظ على مستوى المساعدات. ثانياً، القدرة الروسية على الإنتاج الحربي المستدام في ظل العقوبات. وثالثاً، الوحدة الوطنية الأوكرانية وقدرة الدولة على التجنيد والتمويل الداخلي.
خطوط جبهة شبه ثابتة وديناميكية دبلوماسية غير محسومة
تُشير المؤشرات إلى استقرار نسبي في خطوط الجبهة مع مكاسب روسية تدريجية في شرق أوكرانيا. الاتصالات الدبلوماسية تجري بصمت عبر قنوات متعددة، لكن الهوّة بين المطالب الروسية ومقتضيات الشرعية الأوكرانية لا تزال هائلة. الولايات المتحدة تمارس ضغطاً نحو تسوية بينما يُطالب الأوروبيون بضمانات أمنية متينة قبل أي اتفاق.
مسارات ثلاثة للنزاع
هدنة مُجمَّدة
وقف فعلي للأعمال العدائية على خطوط الاحتكاك الحالية دون اتفاق رسمي شامل.
نزاع مجمّد كالنموذج الكوري
أوكرانيا تُعيد البناء في المناطق المُحرَّرة تحت مظلة أمنية غربية غير رسمية.
ضغط غربي لإنهاء الحرب
الولايات المتحدة تُقيّد الدعم مما يُرغم أوكرانيا على قبول مفاوضات من موقع ضعف نسبي.
حادثة توسّع الحرب
هجوم روسي على بنية تحتية في دولة ناتو يُفعّل آليات الدفاع الجماعي.
الحرب في أوكرانيا هي اختبار الإرادة الاستراتيجية الأكبر للغرب في القرن الحادي والعشرين. ليس لأن أوكرانيا قلب أوروبا الجغرافي، بل لأن نتيجتها ستُحدد ما إذا كانت العدوانية الإقليمية تُوصل إلى مكاسب مستدامة أم إلى نتائج عكسية. الجواب سيُشكّل السلوك الدولي لعقود.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت