لا تُعدّ اليمن مجرد ساحة للصراع المسلح بين قوى إقليمية متنافسة. إنها أيضاً - وبشكل متزايد - مختبرٌ مروّع لتوظيف الحرمان الإنساني ورقةً تفاوضية وأداةً لإخضاع السكان. فبحسب برنامج الغذاء العالمي، يرزح ما يزيد على 21 مليون يمني - أي نحو ثلثي السكان - في ظل انعدام أمن غذائي حاد، فيما تقبع ملايين الأسر في مناطق تقترب من حافة المجاعة الكاملة. غير أن ثمة ما هو أشد إيلاماً من الأرقام: الكارثة ليست حوادثية، بل هي في جزء كبير منها مُهندَسة.
اقتصاد منهك قبل الحرب: ضعف بنيوي ضاعف الكارثة
قبل أن تنطلق شرارة الحرب في مطلع 2015، كان اليمن أصلاً يُصنَّف بين أفقر دول المنطقة العربية. اعتمادٌ شبه كلي على استيراد الغذاء - يصل إلى 90% من القمح - وعملةٌ هشة ونظام بنكي متصدّع ومخزونٌ استراتيجي للغذاء لا يتجاوز أسابيع. حين اندلعت الحرب، لم يجد هذا البناء الاقتصادي الهش قدرةً على الصمود في مواجهة صدمة الإمدادات والحصار والتدمير المنهجي للبنية التحتية.
ما رسّخ الأزمة وحوّلها من أزمة حادة إلى كارثة مزمنة هو إضافة المتعمَّد فوق المصادفة: تدمير ميناء الحديدة والمطارات والمستودعات، وتجميد رواتب موظفي الدولة لسنوات، وإغراق السوق باليريال المزوَّر، وفرض قيود على تدفق المساعدات عبر مناطق سيطرة الحوثيين. كل هذه الأدوات اجتمعت لتُحوّل الجوع من نتيجة حرب إلى سلاح فيها.
من يُدير المجاعة؟ الفاعلون وأدوارهم
الحوثيون: الحصار الداخلي
تُعرقل قوات أنصار الله منذ سنوات وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الواقعة تحت سيطرتها حين يتعارض ذلك مع مصالحها السياسية. أفضت هذه الممارسات إلى توثيق منظمات دولية لعمليات تحويل المساعدات عن مستحقيها، وفرض رسوم غير رسمية على التوزيع، وطرد وكالات أممية بذريعة التدخل في الشؤون الداخلية. والمعادلة الضمنية صريحة: من يُوالي الحركة يحصل على الغذاء، ومن يُعارضها يواجه الحرمان.
التحالف بقيادة السعودية: الحصار الخارجي
قاد التحالف طوال سنوات تشديداً على الموانئ اليمنية باسم منع تهريب الأسلحة، وهو ما أدى في مناسبات عدة إلى تأخير سفن الوقود والغذاء لفترات مطوّلة. وعلى الرغم من أن تقارير الأمم المتحدة وثّقت أن بعض الغارات الجوية للتحالف استهدفت منشآت إنتاج غذائي وأسواقاً شعبية، يظل التمييز بين الخطأ العسكري غير المقصود والاستهداف المتعمد مسألةً يصعب الجزم بها.
الأطراف الدولية: الاستجابة المعيقة
تراهن قوى كبرى - على رأسها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة - منذ سنوات على اعتبارات استراتيجية تجعل دعم التحالف أولوية مقدَّمة على المساءلة الإنسانية. وعلى الرغم من التعهدات الدورية في مؤتمرات المانحين، تواجه الاستجابة الدولية فجوات تمويلية متكررة لا تملأها الوعود وحدها.
الجوع قوةً قسرية: الأبعاد الاستراتيجية للأزمة الإنسانية
يكشف التحليل الجيوسياسي أن الأزمة الإنسانية تؤدي وظيفة مزدوجة في بنية النزاع: فمن جهة، تُجنّد الحركة الحوثية قواتها من أبناء المناطق المنكوبة وتشحن خطابها بروايات المظلومية ضد الحصار الخارجي. ومن جهة أخرى، تُوظّف الأطراف الخارجية الأزمة الإنسانية ورقةً لانتزاع تنازلات في المفاوضات، فيما تغدو المساعدات الإنسانية أداةً لبسط النفوذ لا وسيلةً للإنقاذ فحسب.
ويستقطب اليمن من هذه الزاوية اهتماماً متزايداً من منظمات حقوقية دولية تنظر في مدى انطباق مفهوم «المجاعة كجريمة حرب» وفق أحكام القانون الإنساني الدولي، مما يُضفي على الأزمة ثقلاً قانونياً ودبلوماسياً يتجاوز الأرقام الإحصائية.
واقع 2026: بين الهدنة الجزئية والكارثة المستمرة
أفضت التسوية الدبلوماسية السعودية-الإيرانية عام 2023 إلى تهدئة نسبية خفّفت من حدة الاشتباكات المباشرة، إلا أن مسار المفاوضات الجارية لم يُفضِ إلى تحسن ملموس في الأوضاع الإنسانية على الأرض. فرواتب موظفي الدولة لا تزال معلّقة في كثير من المحافظات، ومدينة الحديدة تعاني اختناقات في الإمدادات رغم تراجع حدة القيود الرسمية، فيما يُمعن التضخم المتسارع وانهيار العملة في تعميق الإفقار بصورة تجعل مجرد الحفاظ على الوضع الراهن نكبةً بحد ذاتها.
ثلاثة سيناريوهات لمسار الأزمة الإنسانية
تسوية سياسية شاملة
التوصل إلى اتفاق ينهي القتال ويُطلق عملية إعادة إعمار ممنهجة.
فتح الممرات الإنسانية
ضمان تدفق المساعدات دون عراقيل سياسية أو أمنية.
استئناف الرواتب واستقرار الريال
تعافٍ اقتصادي تدريجي يُسهم في كسر دائرة الجوع البنيوي.
هدنة هشة بلا سلام
تتوقف المعارك الكبرى لكن تستمر الأزمة الإنسانية في التعمق دون اهتمام دولي كافٍ.
اعتياد الكارثة
تتراجع المساعدات الدولية بفعل «إرهاق المانحين»، وتُصبح المجاعة حالة دائمة لا طارئة.
عودة الحرب الشاملة
انهيار الهدنة وتجدد الحصار يُوصلان اليمن إلى مجاعة على النطاق الكامل بالمعنى الأممي.
موجة نزوح كبرى
ضغط هائل على دول الجوار واستقطاب تدخلات إقليمية إضافية.
تكشف الأزمة الإنسانية اليمنية عن نمط يُجسّد ما بات يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ«سلاح الجوع»: استخدام الحرمان من الغذاء وسيلةً لتحقيق غايات سياسية وعسكرية بعيدة عن ساحة المعركة المباشرة. والمؤسف أن أي تسوية دائمة تبدو مشروطةً أولاً بالإرادة السياسية لدى أطراف تجد في استمرار المعاناة أوراق قوة لا حوافز للتخلي عنها طوعاً.
والسؤال الذي يطرحه المحللون الاستراتيجيون على نحو متزايد هو: هل يمكن لأي مفاوضات سياسية أن تُفضي إلى اتفاق مستدام دون أن تعالج أولاً التوظيف الاستراتيجي للجوع وتُجرّمه؟
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت