لم تتفاوض المملكة العربية السعودية وأنصار الله مباشرةً — ولو عبر وسيط — في أي مرحلة من مراحل الصراع المتصاعد بين عامَي 2015 و2022. كان الاعتقاد السائد في الرياض أن تكاليف الحرب في مواجهة حركة هشّة اقتصادياً ستُجبرها على الانصياع. لم يتحقق ذلك. ما تحقّق بدلاً عنه هو استنزاف مزدوج أفضى بالطرفين إلى طاولة المفاوضات بعد سنوات من قناعة الطرفين بأن انتصار الحسم العسكري آتٍ لا محالة.
لماذا الآن؟ قراءة في دوافع التحوّل
من منظور السعودية
لا يخفى أن الحرب اليمنية أثبتت محدودية فاعلية القوة الجوية في مواجهة ميليشيا راسخة في جغرافيا صعبة. أُفضت الحملة العسكرية المستمرة إلى إرهاق في الميزانية وتآكل في الصورة الإنسانية للمملكة دولياً. أضف إلى ذلك أن صواريخ الحوثيين المسيّرة أثبتت قدرتها على الوصول إلى عمق الأراضي السعودية. في سياق رؤية 2030 والسعي إلى الاستقرار الإقليمي الداعم للتنمية، غدا إنهاء الحرب اليمنية أولوية استراتيجية لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
من منظور الحوثيين
نجح أنصار الله في تثبيت سيطرتهم على المناطق الأكثر كثافة سكانية في اليمن بما فيها صنعاء وبيئتهم الشمالية الغربية. باتوا يُدركون أن القدرة العسكرية وحدها لا تُحوَّل إلى شرعية دولية وعائدات إعادة إعمار دون مسار سياسي معترَف به. كما أن التعب الشعبي من الحرب حتى في مناطق نفوذهم يُمثّل ضغطاً متصاعداً، فيما تُحفّزهم العمليات البحرية على انتزاع تنازلات دبلوماسية في أوج أوراق ضغطهم.
طهران ومسقط ونيويورك: ثلاثة أبعاد للوساطة
الدور الإيراني: الضامن والمقيِّد في آنٍ واحد
حقق الاتفاق السعودي-الإيراني في مارس 2023 برعاية صينية انفراجاً كبيراً أفضى إلى تهدئة فعلية على أرض اليمن. دفع الإيرانيون أنصار الله نحو قبول مسار التهدئة، وإن ظل نطاق نفوذ طهران على الحركة محل جدل. لكن إيران تنتهج في الوقت ذاته دعم الحوثيين قوةً رادعة تُحاكي وظيفة «حزب الله جنوب الجزيرة العربية» في مواجهة النفوذ الغربي والإسرائيلي.
سلطنة عُمان: الوسيط الصامت صاحب التأثير الكبير
حافظت مسقط على قناة دبلوماسية مفتوحة مع الحوثيين طوال سنوات الحرب، استثمرت فيها علاقاتها المتوازنة مع طهران والرياض وواشنطن. أتاح هذا الموقع لسلطنة عُمان أداء دور الوسيط الصامت في المراحل الحرجة من المفاوضات، بعيداً عن الأضواء ومن دون ثمن سياسي مباشر.
ما الذي يمنع السلام الدائم؟
تتصدر قائمة العوائق ملفاتٌ شائكة تمسّ جوهر العقد السياسي اليمني المستقبلي: كيفية توزيع عائدات النفط بين صنعاء والمحافظات المنتِجة، وتوحيد البنك المركزي وإعادة صرف الرواتب في جميع المحافظات، ومستقبل الحضور العسكري الحوثي وإمكانية دمجه في مؤسسات الدولة، فضلاً عن الوضع النهائي للمناطق المتنازَع عليها بين الأطراف المتعددة.
أكثر هذه القضايا حساسيةً هي مسألة احتكار السلاح: يُطالب الحوثيون بالاعتراف بهم طرفاً سياسياً شرعياً مع احتفاظهم بقدراتهم العسكرية، وهو مطلب يصطدم بمنطق بناء الدولة الذي يستلزم حكماً احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع.
أين تقف المفاوضات؟
وصلت مسودات المفاوضات إلى مراحل متقدمة وفق تقارير مسرّبة، وبات اتفاق «تبادل المزايا» — نفط سعودي مقابل رواتب الموظفين وهدنة مديدة — الإطار الأكثر قابليةً للتطبيق في المدى القريب. غير أن ملف التطبيع الشامل والترتيبات الأمنية الدائمة لا يزال يراوح مكانه في جولات تفاوضية تتقدم ببطء وتتراجع كلما تصاعدت حدة الأحداث الإقليمية، كما يبقى مصير العمليات البحرية التفاوضية ورقةَ ضغط يُحجم الحوثيون عن التخلي عنها مسبقاً.
ثلاثة سيناريوهات لمسار المفاوضات
اتفاق اقتصادي-أمني
يُعيد توزيع عائدات النفط ويُلغي الحصار بشكل رسمي مقابل هدنة بحرية مؤكدة.
مسار سياسي موازٍ
تسوية سياسية تُتيح لأنصار الله دوراً حكومياً رسمياً ضمن إطار يمني أشمل.
هدنة متجددة بلا سلام
تتجدد الهدنة دورياً لكن دون تسوية بنيوية، وتستمر أوضاع الجمود واللاحسم.
تسرّب من دون انهيار
هجمات بحرية موسمية مع تواصل المسار الدبلوماسي في توازن هش وقابل للانفجار.
حادثة مفجِّرة
تصعيد بحري يطال مصالح غربية مباشرة أو استهداف سعودي كبير يُقفل باب التفاوض.
إعادة الانتشار العسكري
عودة الحرب الشاملة بأطراف أكثر وبخسائر تفوق ما سبقها.
المفاوضات السعودية-الحوثية ليست عملية سلام «طبيعية» تنطلق من رغبة الطرفين في تحقيق مصلحة مشتركة — بل هي نتاج إرهاق متبادل وضغوط إقليمية لا تُحتمل. هذه الطبيعة تجعلها هشّة إزاء أي متغير خارجي. الفرص الحقيقية لسلام مستدام تمرّ عبر معالجة القضايا البنيوية المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة واحتكار السلاح — وهي ملفات يمكن تأجيلها في الهدنات لكن لا يمكن تجاهلها في الاتفاقيات الدائمة.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت