في مطلع نوفمبر 2023، اعترضت قوات أنصار الله سفينة شحن مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، مُعلنةً بذلك انخراطها الميداني في الصراع الأشمل المتمحور حول غزة. غير أن ما بدا في البداية عملاً تضامنياً محدوداً سرعان ما تحوّل إلى حملة بحرية منهجية بصواريخ كروز والطائرات المسيّرة استهدفت منظومة الشحن الدولي في أحد أكثر الممرات المائية حيويةً في العالم. بذلك يكون الحوثيون قد قلبوا المعادلة الاستراتيجية جذرياً: فبعد أن كانوا يُحاصَرون براً وبحراً وجواً، باتوا هم من يُهدد حرية حركة ملاحة تُقدَّر قيمتها بتريليونات الدولارات.
قوة غير متماثلة: كيف يخوض الحوثيون حرب البحر؟
لا تعتمد قدرة الحوثيين البحرية على تفوق نظامي تقليدي، بل تقوم على مبدأ الحرب غير المتماثلة. يتضمن ترسانتهم البحرية طيفاً واسعاً من الأدوات: صواريخ مضادة للسفن من طرازات متعددة، طائرات مسيّرة بحرية وجوية قادرة على الإبحار لمئات الكيلومترات، زوارق انتحارية آلية، وطوربيدات وألغام بحرية. وتتيح هذه الترسانة للحوثيين شنّ هجمات يصعب اعتراضها كلياً بأثمان زهيدة نسبياً قياساً بكلفة الاعتراض الأمريكي والبريطاني.
الأهم من التقنية هو المنطق الاستراتيجي: فكل صاروخ يُطلق يُكلّف مستخدِمَه عشرات الآلاف من الدولارات، بينما تستهلك المنظومات الدفاعية المضادة — كصواريخ SM-2 و SM-6 الأمريكية — ما بين مليون وعشرة ملايين دولار للاعتراض الواحد. هذه المعادلة الاقتصادية تُمثّل في حد ذاتها انتصاراً استراتيجياً لدولة في حالة إفلاس اقتصادي.
طهران وأنصار الله: وكالة بدرجات
الدور الإيراني: التمكين لا التوجيه المباشر
تتوافر أدلة موثوقة على دور إيراني محوري في نقل التكنولوجيا العسكرية البحرية إلى الحوثيين، بما يشمل مكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة ومعرفة الاستهداف. بيد أن العلاقة ليست علاقة وكيل كامل الانقياد. فأنصار الله يمتلكون حسابات وأولويات وطنية وعقدية مستقلة في أغلب الأحيان، وقد يتصرفون في أحيان من دون تنسيق مسبق مع طهران. المصطلح الأكثر دقةً هو «وكالة بدرجات»: يُوفّر الإيرانيون الدعم والغطاء الاستراتيجي، فيما يتمتع الحوثيون بهامش تكتيكي واسع.
الغرب: ردٌّ يُقيّد من دون أن يُنهي
تُشكّل العملية الأمريكية-البريطانية «Prosperity Guardian» وعملية الاتحاد الأوروبي «Aspides» ردَّ فعل دفاعياً بامتياز. تُفصح أرقام الهجمات المتواصلة على أنه رد لم يُوقف القدرات الهجومية للحوثيين. في المقابل، ثمة تردد واضح في توسيع نطاق الضربات لتشمل البنية التحتية العميقة للحركة، خشيةً من تصعيد أشمل يُفضي إلى تضامن إيراني أقوى وانهيار مسار المفاوضات الإقليمية.
مضيق باب المندب: أهم من مجرد منفذ بحري
يمر عبر باب المندب قرابة 12% من حجم التجارة البحرية العالمية، ونحو 8% من إجمالي تجارة النفط والغاز. إضافةً إلى ذلك، يُشكّل الممر رابطاً حيوياً في سلاسل التوريد الأوروبية-الآسيوية، ومن ثَمّ فإن أي اضطراب مديد في حركة الملاحة عبره يستلزم من السفن الدوران حول رأس الرجاء الصالح، مما يُطيل مدة الرحلات بأسبوعين ويُضخّم تكاليف الشحن بصورة حادة. هذه الحقيقة الجيواقتصادية تُعطي الحوثيين نفوذاً يفوق حجمهم العسكري والسياسي بمراحل.
من المنظور الإيراني، يؤدي مضيق باب المندب وظيفة موازية لوظيفة هرمز: ورقةٌ للضغط على الغرب وإسرائيل، وذريعةٌ لإثبات مركزية طهران في الهندسة الأمنية للمنطقة. وبهذا يتحول الملف اليمني — الذي كان يُعدّ ثانوياً — إلى ساحة صراع استراتيجية عالمية الأثر.
2026: تراجع نسبي أم توطيد للقدرة؟
شهدت حدة الهجمات البحرية تراجعاً ملحوظاً مع تصاعد وتيرة المفاوضات السعودية-الحوثية، مما يُشير إلى أن الهجمات كانت دائماً ورقةً تفاوضية بقدر ما هي عقيدة قتالية. غير أن هذا التراجع لم يُترجَم إلى وقف كامل، والقدرات المكتسبة ظلت قائمة. الأهم من ذلك أن الحوثيين أثبتوا للرأي العام اليمني والإقليمي قدرتهم على مجابهة القوى الكبرى، وهو رأسمال رمزي لا يهونون عن التخلي عنه بيسر.
ثلاثة مسارات لمستقبل الأمن البحري
اتفاق يمني-سعودي شامل
تُنهي التسوية الداخلية للصراع اليمني المبرر المُعلَن للهجمات وتُزيل أوراق الضغط البحرية.
عودة التجارة تدريجياً
استعادة السفن مساراتها عبر البحر الأحمر بعد تراجع الهجمات وانحسار خطر التأمين.
هجمات موسمية انتقائية
يحتفظ الحوثيون بقدراتهم البحرية ويُوظّفونها بحسب مقتضيات المفاوضات والتطورات الإقليمية.
غموض استراتيجي مُحكَم
لا توقف كامل ولا تصعيد شامل، بل إدارة متأنية للورقة البحرية ورقةً حية دائمة في الحسابات الإقليمية.
ضربة كبرى أو ردّ مفرط
تُفضي ضربة غربية واسعة للبنية التحتية الحوثية أو خسارة سفينة غربية بشرية إلى تصعيد متبادل.
اتساع الجبهة البحرية
انضمام فاعلين آخرين لتوسيع رقعة الاضطراب الملاحي في المنطقة.
كشفت عمليات الحوثيين في البحر الأحمر عن مفارقة استراتيجية لافتة: حركة تحكم أفقر بلدان المنطقة تمكنت من فرض نفسها فاعلاً بحرياً يُقلق أكبر القوى البحرية في العالم. هذه القدرة لا تنبثق من تفوق عسكري نظامي، بل من مزيج ثلاثي: التكنولوجيا الإيرانية والجغرافيا اليمنية المتحكمة في ممر حيوي والإرادة السياسية المدعومة بالخطاب الديني-القومي.
الدرس الذي يستخلصه المحللون الاستراتيجيون هو أن توظيف باب المندب ورقةً ضغط صار جزءاً راسخاً من العقيدة الدفاعية الحوثية، ولن يتنازل عنه أنصار الله طوعاً في أي تسوية لا تُحقق لهم مكاسب سياسية موازية.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت