🔑 الكلمات المفتاحية:اليمن تعليم وحربتجنيد الأطفال اليمنمناهج الحوثيينالأيديولوجيا اليمنيةجيل الحرب اليمنالأطفال المجندون اليمن

تعتمد معظم تقارير الأزمة اليمنية على قياسات موضوعية: القتلى والنازحون والجوع والبنية التحتية المدمَّرة. بيد أن ثمة بُعداً يستعصي على القياس الكمي، ولعله الأشد خطورةً وأبعدها أثراً في مستقبل البلاد: الدمار الذي يُلحقه الصراع بالعقول والهويات والمرجعيات القيمية لجيل كامل. في اليمن، لا تُوظَّف الأيديولوجيا ترفاً خطابياً، بل تُستخدَم أداةً استراتيجية تُشكّل المقاتلين وتُشرعن العنف وتُعيد رسم حدود «الآخر» في عقول الأطفال.

المنظومة التعليمية

المدرسة كساحة حرب: تحويل التعليم إلى تلقين

وثّقت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش واليونيسف وجهات أممية أخرى كيف يعيد أنصار الله صياغة المناهج التعليمية في مناطق سيطرتهم. تُضخَّم في هذه المناهج المُعدَّلة صورة العدو — سواء كان «الأمريكي والإسرائيلي» أو منافسي الحركة المحليين — وتُقدَّم تضحيات الحرب في سياق ديني يمزج بين الجهاد المقدس والالتزام للقيادة. كما يُحوَّل التاريخ الوطني اليمني ليُقرأ بعدسة حوثية تضع أنصار الله في موضع المدافع الأبدي عن الهوية الأصيلة.

في المقابل، لا تقتصر هذه الظاهرة على طرف واحد. روّجت مناطق موالية للحكومة الشرعية أيضاً خطاباً يُشيطن الحوثيين إلى حد يُصعّب بناء تصوّر مشترك للمواطنة المستقبلية. والبيئات الجنوبية ذات النزعة الانفصالية تُغذّي بدورها هويةً مضادة لكل ما يرمز إلى اليمن الشمالي.

2,500
مدرسة مدمّرة أو معطوبة
3.7M
طفل خارج المنظومة التعليمية
+10,000
طفل جُنِّد منذ 2015 (موثّق)
جيل
بالكامل تعلّم في ظل الحرب
الفاعلون

صانعو الهوية: الحوثيون والدولة الشرعية والخارج

الحوثيون: منظومة تلقين متكاملة

طوّر أنصار الله ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الهوية»: شبكة من دور القرآن ومراكز التعبئة والأنشطة الموازية للمدرسة، توفّر للأطفال من الأسر المحرومة مأوىً وغذاءً وانتماءً وعقيدةً في آنٍ معاً. هذا العرض الاجتماعي المدمَج يُضخّم جاذبية الحركة في المجتمعات التي دمّرتها الحرب وأضعفت الروابط الأسرية فيها.

المعونات الخارجية: أيديولوجيا الداعمين

ضخّت جهات دولية متعددة تمويلاً لإعادة بناء التعليم في اليمن، إلا أن هذا التمويل لم يكن دوماً محايداً أيديولوجياً. بعض البرامج الممولة خليجياً ضمّت محتوى يُعزز قيماً دينية بعينها، وبعض المحتوى الغربي يحمل افتراضاته حول بناء المواطنة والديمقراطية. لا يوجد تمويل تعليمي في بيئة حرب مُصوَّت عليها بالكامل دون موقف.

التداعيات على السلام

الأيديولوجيا وخطر التكلّس: لماذا يُهدد ذلك مستقبل أي سلام؟

يواجه أي اتفاق سلام يمني مهمةً تتجاوز بكثير وقف إطلاق النار: إقناع جيل من الشباب تلقّى لسنوات روايةً تُقدّم الآخر عدواً وجودياً بأنه مواطن مشترك في الدولة ذاتها. التجارب الدولية في جنوب أفريقيا ورواندا والبوسنة تُشير إلى أن إزالة أثر التلقين الأيديولوجي من المناهج والخطاب العام هي عملية تستغرق عقوداً ويمكن أن تنتكس في لحظات التوتر.

الخطر في اليمن مُضاعَف: الجيل الأكبر يتذكر يمناً موحداً قبل الحرب، أما الجيل الذي وُلد في أتون الصراع فلم يعرف غير الحرب وخطابها. من بين أبناء هذا الجيل سيأتي القادة والمقاتلون والمصوّتون في أي يمن ما بعد التسوية.

الواقع الراهن

2026: الجرح المفتوح في النسيج الاجتماعي

لا تزال مئات الآلاف من الأطفال يتلقّون تعليماً مُعدَّلاً في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما تواصل منظمات الأمم المتحدة وبعض المنظمات غير الحكومية جهود التوثيق وبناء برامج بديلة بمحدودية ظاهرة. وعلى الرغم من الهدنات الجزئية، لا تزال القنوات الإعلامية لكل طرف تُواصل تكريس صورة العدو. الأدوات البنيوية لفكّ تكلّس الهوية المتشكلة في ظل الحرب لم تُوضع بعد على جدول أي مفاوضات.

السيناريوهات

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الهوية في اليمن

السيناريو الأول — إصلاح تعليمي ضمن مسار السلاماحتمال: 25%
١

مفاوضات تشمل ملف المناهج

تتبنى التسوية السياسية لجنةً مشتركة لإعادة صياغة المحتوى التعليمي وفق روايات موحّدة غير أيديولوجية.

٢

برامج إعادة دمج المقاتلين

يشمل الاتفاق برامج نفسية واجتماعية للأطفال المُجنَّدين والشباب المتأثرين بالتطرف.

السيناريو الثاني — التطبيع السياسي بالتلقيناحتمال: 50%
١

سلام يُبقي الجرح الأيديولوجي

تُوقَّف الاشتباكات العسكرية لكن يستمر كل طرف في تكريس روايته في مناطق نفوذه.

٢

وحدة هشة قابلة للانفجار

يمن «موحّد» على الورق تسكنه هويات متنافرة تنتظر أزمة الجيل القادم لتتفجر من جديد.

السيناريو الثالث — الانهيار وتكريس التجزؤاحتمال: 25%
١

أجيال متعادية تحكم كانتونات

يؤدي فشل التسوية إلى ترسيخ كانتونات إيديولوجية يقودها جيل الحرب في مناطق متعادية.

٢

تغذية التطرف إقليمياً

يصدّر اليمن عناصر مُدرَّبة على الحرب نحو ساحات نزاع أخرى في المنطقة.

📌 خلاصة تحليلية

يطرح البُعد الأيديولوجي للصراع اليمني ما يمكن تسميته «معضلة السلام الجيلي»: أي اتفاق سياسي يقتصر على إسكات البنادق قد يزرع بذور حرب أهلية أخرى بعد عقدين، حين يُصبح جيل تلقين الحرب جيل السلطة والقرار. الدروس المستفادة من ما بعد الحروب الأهلية في أفريقيا وآسيا تُؤكد أن معالجة الجرح الأيديولوجي ليست رفاهاً تكميلياً يُضاف إلى اتفاقيات السلام — بل هي شرط لا غنى عنه لصموده.

❓ أسئلة شائعة — FAQ
ما الأدلة الموثَّقة على تعديل المناهج الحوثية؟
رصدت تقارير يونيسف وهيومن رايتس ووتش وعدد من الباحثين الأكاديميين إدراج محتوى طائفي وعقدي في كتب اليمن المدرسية بمناطق سيطرة الحوثيين، وإزالة فصول حول التسامح والمواطنة وحقوق الإنسان.
ما حجم ظاهرة تجنيد الأطفال في اليمن؟
وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الطفل تجنيد أكثر من عشرة آلاف طفل موثّق من قِبَل الحوثيين خاصةً، مع إشارات إلى ممارسات مماثلة بحجم أقل لدى أطراف أخرى. الرقم الحقيقي يُرجَّح أن يكون أعلى.
كيف يؤثر انقطاع التعليم على احتمالات السلام طويل الأمد؟
تُشير الدراسات المقارنة إلى أن انقطاع التعليم يرفع احتمالات العودة إلى الصراع المسلح بنسبة ملحوظة، إذ يُوسّع رقعة الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي ويجعل التجنيد المتطرف خياراً بديلاً أكثر جاذبية.
ما الذي يمكن للمجتمع الدولي فعله لمعالجة هذا البُعد؟
يتضمن ذلك تمويل برامج تعليمية بديلة في مناطق النزاع، دعم الصحة النفسية للأطفال المتضررين، اشتراط إصلاح المناهج في حزم المساعدات لإعادة الإعمار، ودعم الإعلام المستقل الذي يُقدّم رواية تعمل على الوحدة الوطنية لا التشرذم.
ناصر الصبري — محلل جيوسياسي
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · اقتصاد دولي

صحفي ومحلل في الجيوسياسة والعلاقات الدولية، متخصص في شؤون الأمن والدفاع، وحاصل على دبلوم دراسات عليا في العلاقات الدولية (مسار الأمن والدفاع).

📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت