لم يكن توحيد اليمن عام 1990 نتاج عملية تكامل طبيعية نضجت تاريخياً — بل كان اتفاقاً نخبوياً سرعان ما اصطدم بمحركات الهوية والمصالح الاقتصادية. وحين نشبت حرب صيف 1994 وانتهت بانتصار صنعاء عسكرياً على الجنوب، كُرّست ديناميكيات توزيع الثروة والسلطة التي شعر الجنوبيون معها بالتهميش المنهجي. من هذا الإحساس المتراكم بالغبن ولد المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، ليُجسّد مشروعاً لاستعادة دولة كانت قائمة واسمها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وحدة 1990: عقد أصاب الجنوب بجراح لم تُعالَج
بعد الوحدة، كافأت السلطة في صنعاء قواتها وحلفاءها الشماليين بالاستيلاء على أراضٍ وموارد جنوبية، فيما خسر ضباط الجيش الجنوبي مناصبهم وامتيازاتهم وراتباتهم. وفي مناسبات عدة، أُفضي اعتراض بعض العسكريين الجنوبيين إلى اعتقالهم أو إقصائهم. هذه الجراح المتراكمة أفرزت «الحراك الجنوبي» السلمي بين عامَي 2007 و2011، ثم تطور لاحقاً إلى مشروع انفصالي متبلور.
حين انهار النظام وانطلق التدخل العسكري للتحالف عام 2015، وجد الجنوبيون أنفسهم في موقف مزدوج: يقاتلون الحوثيين دفاعاً عن أرضهم، لكنهم يرفضون في الآن نفسه إعادة تركيم سلطة صنعاء في شكلها السابق. من هذا التناقض وُلد الائتلاف الهش مع الحكومة الشرعية، ثم التنافس معها وصولاً إلى مواجهات مسلحة في عدن عام 2019.
معادلة ثلاثية: أبوظبي والرياض وصنعاء الشرعية
الإمارات: الشريك الاستراتيجي الصامت للجنوب
لم يُخفِ الإماراتيون دعمهم للمجلس الانتقالي الجنوبي: تدريب عسكري ودعم مالي وعلاقات دبلوماسية من تحت الطاولة. تجد أبوظبي في الجنوب شريكاً استراتيجياً محتملاً على الساحل الجنوبي للجزيرة العربية، ونقطة ارتكاز لنفوذها على خط الملاحة بين خليج عدن وبحر العرب. المصالح الإماراتية في ميناء عدن وإدارة سواحل خليج عدن لا تخلو من أبعاد اقتصادية واستراتيجية واضحة.
السعودية: الصبر الاستراتيجي مع الحياد الحذر
تجد المملكة العربية السعودية نفسها في موقف بالغ الدقة: حليفتها أبوظبي تدعم مشروع الانفصال، في حين تتمسك الرياض رسمياً بالوحدة اليمنية ضمن أي تسوية سياسية. هذا التباين لا يُمثّل خلافاً عقائدياً بقدر ما يُجسّد تفاوتاً في المصالح: السعودية تريد مكافئاً أمنياً موحداً على حدودها الجنوبية، وتخشى أن يُفتح الباب أمام موجة انفصالية تُلوّح بتداعيات تطال وحدة المملكة ذاتها على المدى البعيد.
الحكومة الشرعية: الشريك المُرغَم والغريم المُحتمل
أُجبر الرئيس هادي ومن بعده مجلس القيادة الرئاسي على التوقيع على اتفاقية الرياض 2019 التي أدمجت المجلس الانتقالي الجنوبي في حكومة الوحدة. لكن هذا الاندماج ظل شكلياً في معظمه، وتفيد التقارير باستمرار التوترات والخلافات حول توزيع المناصب والسلطة في المناطق المُحرَّرة.
النفط والموانئ والهوية: مثلث رهانات الجنوب
يحوز الجنوب اليمني قيمة استراتيجية متعددة الأوجه: نحو 80% من احتياطيات النفط اليمني يقع جغرافياً في المحافظات الجنوبية، فضلاً عن ميناء عدن الذي يُعدّ من أهم الموانئ الطبيعية في المنطقة. يُضاف إلى ذلك السواحل الطويلة المطلة على خليج عدن وبحر العرب، وهي حارسة ممرات ملاحية بالغة الأهمية لطرق التجارة الدولية.
من منظور التنافس الإقليمي، يتقاطع السؤال الجنوبي مع مساعي الصين لترسيخ حضورها في موانئ المنطقة، والنفوذ الإيراني عبر الوكالات المتاحة، والبصمة العسكرية الأمريكية. لا يسعنا فهم تعقيدات ملف الجنوب بمعزل عن هذه التشابكات.
2026: هوية سياسية راسخة لكن مسار ضبابي
باتت الهوية الجنوبية مكرّسة شعبياً وميدانياً بصورة يصعب تجاهلها في أي تسوية. يُسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي فعلياً على عدن ومساحات واسعة من الجنوب، ويضمّ قوات مسلحة منظمة تتجاوز مئة ألف مقاتل. في المقابل، لا تزال الهوة بين البيان السياسي والقدرة على إدارة دولة ناضجة واسعةً، وهو ما يجعل مشروع الاستقلال المطروح في حاجة ماسة إلى اعتراف إقليمي وشرعية دولية لتحقق واقع فعلياً مستداماً.
ثلاثة مسارات للسؤال الجنوبي
انهيار التسوية الموحِّدة
فشل مسار الوحدة يجعل الانفصال خياراً مقبولاً إقليمياً لدى الإمارات والسعودية في نهاية المطاف.
دولة جنوبية ناشئة هشّة
تُعلَن الدولة لكنها تواجه تحديات بناء المؤسسات وتقاسم النفوذ الداخلي.
ترتيب لامركزي واسع
الحل التوافقي الأكثر قبولاً دولياً: يمن فيدرالي أو كونفيدرالي يُعطي الجنوب حكماً ذاتياً اسمياً ضمن إطار وطني موحَّد.
ضمانات للهوية والموارد
اتفاقيات مُفصَّلة لتوزيع ثروات النفط ومناصب السلطة تمنح الجنوب حصته الحقيقية.
تقاطع نزاعات الهويات
انهيار التسوية يُطلق صراعاً بين الفصائل الجنوبية ذاتها وبينها وبين حلفائها الإقليميين.
فراغ أمني قابل للاستغلال
تنظيمات الظل — كالقاعدة في جزيرة العرب — تملأ الفراغ في غياب سلطة مركزية مستقرة.
يطرح السؤال الجنوبي في جوهره مشكلةً تُعاني منها أنظمة سياسية كثيرة عقب حروب الدمج القسري: كيف تحتضن الدولة هويات فرعية راسخة وتمنحها شعوراً حقيقياً بالتمثيل والعدالة؟ مشروع الاستقلال ليس نزوةً عاطفية، بل هو استجابة لمظالم موثَّقة حول توزيع الثروة والسلطة. والحل لا يكمن في التجاهل ولا في الانفصال المتسرع، بل في بناء عقد اجتماعي يمني جديد يُعالج هذه المظالم بصدق.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت