في الخرائط الصينية الرسمية المُعتمَدة حكومياً، يُلوّن ما يُعرف بـ"خط الدشداش" أو "الخط التسع" نحو 90% من إجمالي مساحة بحر الصين الجنوبي بالألوان الوطنية الصينية، مُدّعياً سيادة تاريخية شاملة على هذه المساحة المائية الشاسعة. لكن هذا الادعاء لا تعترف به محكمة التحكيم الدولية التي أصدرت قراراً حاسماً وواضحاً عام 2016 يرفضه صراحة، ولا تعترف به أيضاً الفلبين أو فيتنام أو ماليزيا أو بروناي، وهي الدول الست المُطالبة بأجزاء متداخلة من المنطقة نفسها. وفي مواجهة هذا الوضع المتنازع عليه، تُرسل الولايات المتحدة سفنها الحربية عبر هذه المياه دورياً في تحدٍّ صريح ومباشر للمطالب الصينية. هذا التقاطع المعقد بين المطالب السيادية والقانون الدولي والقوة البحرية هو تحديداً قلب التوتر الجيوسياسي المستمر في هذه المنطقة الحيوية.
لماذا بحر الصين الجنوبي يستحق هذا الاهتمام؟
سنوية عبره
مقدّرة
طبيعي
بأجزاء منه
🇨🇳 المطالب الصينية: ما الذي تُطالب به الصين بالضبط؟
يُطالب "خط الدشداش التسع" (Nine-Dash Line) بالسيادة الصينية الكاملة على مساحة مائية ضخمة وشاسعة تشمل جزر سبراتلي وبارسيل المتنازع عليهما تاريخياً، إضافة إلى مياه اقتصادية خالصة يعترف بها القانون الدولي عادة لدول ساحلية أخرى مجاورة، وهو ما يجعل هذا الادعاء الصيني محل نزاع قانوني وسياسي حاد ومستمر منذ عقود.
ما الذي بنته الصين:
- 3 جزر صناعية رئيسية مُجهَّزة بمدارج طائرات ورادارات وصواريخ.
- ميناء بحري في Ream بكمبوديا (اتفاق سري مُسرَّب).
- دوريات خفر السواحل الصيني تُزاحم الصيادين الفلبينيين في مياههم الاقتصادية.
- «قوارب الميليشيا البحرية» - صيادون مسلحون يعملون بالتنسيق مع البحرية الصينية.
🇺🇸 الاستجابة الأمريكية: FONOP والحضور المستمر
تنفّذ الولايات المتحدة بانتظام ما يُعرف بـ"عمليات حرية الملاحة" (FONOP)، وهي إرسال مدمرات حربية أمريكية عبر المياه المتنازع عليها لتأكيد حق الملاحة الدولي الحر. في عام 2025 وحده، نُفِّذت 10 عمليات FONOP موثقة رسمياً. في كل مرة تُنفَّذ فيها هذه العمليات، تحتج بكين رسمياً وتُطالب بانسحاب فوري، فيما تواصل واشنطن سياستها الثابتة دون تراجع ملحوظ عن جدول عملياتها المعلن.
شهد عام 2024 حادثة بحرية بالغة الخطورة في مضيق تايوان: قطعت مدمرة صينية مسار مدمرة أمريكية على مسافة لا تتجاوز 137 متراً فقط، في أقرب حادثة احتكاك مباشر من هذا النوع تُسجَّل بين البحريتين حتى تاريخه. حملت هذه المناورة الجريئة رسالة سياسية واضحة من بكين للعالم بأسره: نحن حاضرون وقادرون على المواجهة المباشرة عند الضرورة.
بدأت الولايات المتحدة أيضاً تُحوّل تدريجياً طبيعة قواعدها المنتشرة في الفلبين لتصبح أكثر طابعاً هجومياً: نُشرت صواريخ Typhon، وهي منصات أرضية قادرة على إطلاق صواريخ Tomahawk كروز، في مواقع فلبينية استراتيجية، ما أثار احتجاجاً صينياً حاداً وفورياً باعتبار هذا النشر تصعيداً نوعياً خطيراً في المنطقة.
الفاعلون الآخرون: من يخسر أكثر؟
الفلبين: تبقى الطرف الأشد مواجهةً ومباشرة للصين من بين كل الأطراف الإقليمية المتنازعة. عند مرسى Thomas Shoal، تُواصل مانيلا إعادة إمداد سفينة عسكرية قديمة أرستها عمداً على الشعاب المرجانية منذ عام 1999 كمخفر مراقبة دائم، فيما تحاول الصين باستمرار عرقلة عمليات إعادة الإمداد هذه. في عام 2024، تعرّض صيادون فلبينيون لإصابات موثقة جراء استخدام خراطيم مياه ضغط عالٍ من قبل السفن الصينية، ما زاد من حدة التوتر الشعبي والدبلوماسي بين البلدين.
فيتنام: تحتج علناً وبانتظام على التحركات الصينية، لكنها في الوقت ذاته تُفاوض سراً وبهدوء لتجنب مواجهة مباشرة تفوق قدراتها العسكرية. تُطالب هانوي رسمياً بجزر بارسيل التي احتلتها الصين عسكرياً عام 1974 في نزاع تاريخي لم يُحل حتى اليوم.
ماليزيا وبروناي: تحافظان على موقف هادئ نسبياً وأقل مواجهة إعلامياً من الفلبين وفيتنام، لكنهما تُراقبان بقلق متزايد التمدد الصيني التدريجي نحو حقول الغاز الطبيعي الواقعة ضمن مناطقهما الاقتصادية الخالصة، والتي تُشكّل مصدر دخل حيوياً لاقتصاديهما.
اليابان وأستراليا: لا تملكان مطالب سيادية مباشرة في هذه المياه المتنازع عليها، لكنهما تُرسلان سفناً حربية بانتظام دعماً لمبدأ حرية الملاحة الدولية، في إطار تحالفهما الاستراتيجي الوثيق مع واشنطن ومصالحهما التجارية البحرية المباشرة في المنطقة.
من يتقدم فعلاً؟
«الصين تتقدم يوماً بيوم في بحر الصين. الولايات المتحدة تُحتج دورياً دون أن تُعيد شيئاً.» تقرير CSIS، واشنطن، 2025
الجواب الصريح: الصين تتقدم على الأرض (أو تحت الماء). الجزر الصناعية أصبحت حقيقة قائمة. خفر السواحل الصيني يبسط سيادة فعلية دون حرب. الصيادون الفلبينيون يتراجعون.
أمريكا تُحافظ على «حق الممر» بالقوة البحرية - لكنها لا تستطيع إزالة الجزر الصناعية دون حرب.
الصين تفوز في الاستراتيجية طويلة الأمد: إنشاء وقائع على الأرض. أمريكا تفوز في الخطاب القانوني الدولي. الفرق: الوقائع أثقل من القانون.
المسار الأكثر خطورة: حادثة بحرية بين مدمرة أمريكية وخفر سواحل صيني تتصاعد قبل أن تتدخل الدبلوماسية. هذا السيناريو بات أكثر احتمالاً في كل عام.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت
