في نوفمبر 2023، شاهد العالم بثاً مباشراً لمشهد كان يُعتبر حتى وقت قريب من المحرّمات في الحروب الحديثة: دبابات تُحاصر مستشفى الشفاء — أكبر مجمع طبي في قطاع غزة — بينما آلاف المرضى والنازحين والأطباء محاصرون في الداخل بلا ماء ولا كهرباء ولا أدوية. لم تكن تلك المرة الأولى التي تُستهدف فيها منشأة صحية في حرب حديثة، لكنها كانت الأكثر توثيقاً والأوسع مشاهدة — واللحظة التي أدرك فيها كثيرون أن اتفاقيات جنيف، بما تتضمنه من حماية صريحة للمستشفيات والكوادر الطبية، أصبحت في كثير من الحالات مجرد نصوص تاريخية لا تملك قوة الردع. استهداف المستشفيات ليس ظاهرة جديدة، لكنه تصاعد في العقدين الأخيرين إلى مستويات غير مسبوقة، كاشفاً عن تحوّل عميق في طبيعة الحرب الحديثة: من حرب بين جيوش إلى حرب على المجتمعات بأكملها.
جغرافيا الدمار: خريطة الهجمات على المنشآت الصحية
وفقاً لنظام المراقبة التابع لـمنظمة الصحة العالمية (SSA)، سُجّلت أكثر من 2,400 هجمة على منشآت صحية في مناطق النزاع بين عامي 2018 و2024. هذه الأرقام — التي يعترف الخبراء بأنها أقل بكثير من الواقع بسبب صعوبة التوثيق في مناطق الحرب — ترسم صورة مرعبة لانتهاك منهجي وواسع النطاق لأحد أقدم المبادئ في القانون الدولي الإنساني.
صحية (2018–2024)
أداء عمله (2023-2024)
خرجت عن الخدمة (2024)
بحق المسؤولين
في قطاع غزة، يُمثّل الوضع حالة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن 72% من مستشفيات القطاع أصبحت خارج الخدمة كلياً أو جزئياً. مستشفى الشفاء — الذي كان يخدم أكثر من نصف سكان القطاع — تعرّض لحصار متكرر ثم لاقتحام عسكري مباشر. مستشفى القدس ومستشفى ناصر ومستشفى كمال عدوان تعرّضوا جميعاً لقصف أو حصار أو اقتحام. الطواقم الطبية اضطرت لإجراء عمليات جراحية بدون تخدير، وأطباء أُجبروا على بتر أطراف أطفال بمقصات غير طبية لأن المعدات نُهبت أو دُمّرت.
في سوريا، وثّقت أطباء بلا حدود تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 350 منشأة صحية بين 2011 و2022، معظمها بغارات جوية روسية وسورية. مستشفيات حلب وإدلب تعرّضت لقصف متكرر ومنهجي أشبه بحملة ممنهجة لتدمير البنية الصحية في مناطق المعارضة. استراتيجية «حرمان السكان من الرعاية الطبية» كانت جزءاً واعياً من المقاربة العسكرية — إجبار المدنيين على النزوح عبر جعل البقاء مستحيلاً صحياً.
في أوكرانيا، وثّقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 700 هجمة على منشآت صحية في العامين الأولين من الغزو الروسي. مستشفى الأطفال في ماريوبول — الذي قُصف في مارس 2022 — أصبح رمزاً عالمياً لوحشية الحرب. لكن مئات الهجمات الأخرى مرّت دون أن تحظى بنفس التغطية: عيادات ريفية قُصفت، سيارات إسعاف استُهدفت، صيدليات نُهبت.
تشريح القرار: لماذا يختار القادة العسكريون استهداف المستشفيات؟
السؤال الذي يُحيّر كثيرين هو: لماذا تُقدم أطراف النزاع على استهداف المستشفيات رغم أنها تعرف أن ذلك ينتهك القانون الدولي ويُثير إدانة عالمية؟ الإجابة تكشف عن منطق عسكري بارد يتجاوز الاعتبارات الإنسانية والقانونية.
الحرب على البنية التحتية: استراتيجية الإخضاع
في الحروب الحديثة — خاصة حروب مكافحة التمرد والحروب غير المتماثلة — أصبح تدمير البنية التحتية المدنية جزءاً من الاستراتيجية العسكرية. المنطق واضح: إذا أصبحت الحياة مستحيلة في منطقة ما، سيُغادرها السكان — وبذلك تفقد القوة المعارضة حاضنتها الاجتماعية. المستشفى هو آخر ما يتشبّث به المدنيون في منطقة حرب — تدميره يعني قطع آخر خيط يربطهم بالمكان.
هذه الاستراتيجية طُبّقت بشكل منهجي في سوريا، حيث أظهرت تحقيقات صحفية أن الطائرات الروسية والسورية كانت تستهدف المستشفيات بشكل متعمد لدفع سكان مناطق المعارضة نحو النزوح الجماعي. في غزة، أدى تدمير المنظومة الصحية إلى نزوح مئات الآلاف من شمال القطاع إلى جنوبه — وهو ما كان هدفاً عسكرياً معلناً.
ذريعة «الاستخدام العسكري»: الثغرة القانونية
اتفاقيات جنيف تحمي المستشفيات بشكل صريح — لكنها تتضمن استثناءً خطيراً: تسقط الحماية إذا استُخدمت المنشأة الصحية «لأعمال ضارة بالعدو خارج وظيفتها الإنسانية». هذا الاستثناء أصبح الذريعة المفضلة لكل طرف يستهدف مستشفى: الادعاء بوجود مقاتلين أو أسلحة داخل المنشأة. إسرائيل ادّعت وجود مقرات قيادة لحماس تحت مستشفى الشفاء. روسيا ادّعت أن المستشفيات في حلب كانت تُستخدم كقواعد إطلاق نار. في اليمن، ادّعى التحالف بقيادة السعودية أن الحوثيين يُخزّنون أسلحة في المنشآت الطبية.
«المشكلة ليست في وجود استثناء قانوني — المشكلة أن أي طرف يستطيع أن يدّعي أن المستشفى فقد حمايته، ولا توجد آلية مستقلة وفورية للتحقق. النتيجة: الاستثناء أصبح القاعدة.»— ألكساندر برينت، مستشار قانوني سابق، اللجنة الدولية للصليب الأحمر
الثمن الذي لا يُحصى: ماذا يعني تدمير منظومة صحية كاملة؟
تدمير مستشفى ليس مجرد تدمير مبنى — إنه تدمير لمنظومة حياة بأكملها. حين يُقصف مستشفى في منطقة نزاع، يحدث ما يُسميه خبراء الصحة العامة «الانهيار المتسلسل»: المرضى الذين كانوا يتلقون علاجاً مزمناً (سرطان، غسيل كلى، أمراض قلب) يفقدون الرعاية فجأة. الحوامل يلدن في خيام بدون أطباء. الأطفال لا يتلقون لقاحاتهم الروتينية. الأوبئة تنتشر لأن نظام المراقبة الصحية انهار.
في اليمن، أدى تدمير البنية الصحية إلى أكبر تفشٍّ للكوليرا في التاريخ الحديث — أكثر من 2.5 مليون حالة مشتبه بها منذ 2016. في سوريا، عاد شلل الأطفال إلى الظهور بعد غياب عقود بسبب انهيار حملات التلقيح. في غزة، حذّرت منظمات دولية من موجات وفاة ستفوق أعداد القتلى المباشرين بسبب انهيار المنظومة الصحية — ما يُسمى «القتلى غير المباشرين» الذين لن تظهر أسماؤهم في أي إحصائية.
| النزاع | هجمات موثّقة على منشآت صحية | كوادر طبية قُتلت | أبرز الأثر الصحي |
|---|---|---|---|
| غزة (2023–2025) | 500+ | 800+ | انهيار شبه كامل للمنظومة |
| سوريا (2011–2023) | 350+ | 900+ | عودة شلل الأطفال |
| أوكرانيا (2022–2025) | 700+ | 100+ | تضرر بنية علاج السرطان |
| اليمن (2015–2024) | 200+ | 150+ | أكبر تفشٍّ للكوليرا عالمياً |
| السودان (2023–2025) | 80+ | 50+ | انتشار الملاريا والحصبة |
الكوادر الطبية: الضحايا المنسيون
ما يُغفَل غالباً في تغطية استهداف المستشفيات هو المصير المأساوي للكوادر الطبية نفسها. في غزة، قُتل أكثر من 800 عامل صحي خلال الأشهر الأولى من الحرب — أطباء وممرضون ومسعفون وصيادلة. هذا لا يعني فقط خسارة بشرية فادحة — إنه يعني تدمير رأسمال بشري يحتاج عقوداً لإعادة بنائه. تدريب طبيب متخصص يستغرق 10 إلى 15 سنة. حين يُقتل عشرات الأطباء المتخصصين في منطقة واحدة، فإن آثار ذلك ستمتد لأجيال حتى لو انتهت الحرب غداً.
العدالة المفقودة: لماذا لا يُحاسَب أحد؟
رغم الحجم الهائل للانتهاكات الموثّقة، تبقى المحاسبة شبه معدومة. المحكمة الجنائية الدولية فتحت تحقيقات في عدة ملفات — فلسطين وأوكرانيا — لكن التحقيقات تسير ببطء شديد، والدول الكبرى تحمي حلفاءها من أي ملاحقة. الولايات المتحدة ترفض أصلاً الاعتراف بولاية المحكمة الجنائية الدولية. روسيا انسحبت من نظام روما الأساسي. إسرائيل لا تعترف بالمحكمة وتعتبر أي تحقيق ضدها «معادياً للسامية».
النتيجة المباشرة لغياب المحاسبة هي ثقافة الإفلات من العقاب التي تُشجّع المزيد من الانتهاكات. حين يرى قائد عسكري أن من سبقه قصف عشرات المستشفيات دون أن يُحاسَب، يفقد أي حافز للالتزام بالقانون الدولي. هكذا تتآكل المنظومة القانونية الدولية التي بُنيت بعد الحرب العالمية الثانية — ليس بقرار واحد، بل بتراكم سوابق الإفلات.
«اتفاقيات جنيف لم تُصمَّم لعالم تملك فيه دول عضوية دائمة في مجلس الأمن حق الفيتو لحماية نفسها وحلفائها من أي محاسبة. النظام الحالي يُكافئ القوة ويُعاقب الضعف.»— فرانسواز بوشيه-سولنييه، المستشارة القانونية لأطباء بلا حدود
نحو حماية حقيقية: هل يمكن إصلاح المنظومة؟
المنظمات الإنسانية الدولية تُقدّم عدة مقترحات لتعزيز حماية المنشآت الصحية في مناطق النزاع. من أبرزها إنشاء آلية تحقيق دولية مستقلة وسريعة يمكنها التحقق فوراً من أي ادعاء بـ«الاستخدام العسكري» للمستشفيات — بدلاً من ترك الأمر لأطراف النزاع. مقترح آخر يتعلق بتوسيع نطاق «الرموز المحمية» — كالصليب الأحمر والهلال الأحمر — لتشمل إشارات رقمية يمكن أن تتعرف عليها أنظمة التوجيه الذكية لتجنب قصف المنشآت الصحية.
لكن الحقيقة القاسية هي أن لا حلاً تقنياً أو قانونياً يمكن أن يعمل في غياب الإرادة السياسية. طالما أن الدول الكبرى تحمي حلفاءها من المحاسبة، وطالما أن مجلس الأمن مشلول بحق الفيتو، وطالما أن تكلفة انتهاك القانون الدولي أقل من تكلفة الالتزام به — ستبقى المستشفيات أهدافاً مشروعة في عيون من يملكون القوة العسكرية.
ظاهرة متصاعدة: استهداف المستشفيات تضاعف في العقد الأخير، مع تحوّل الحرب من قتال بين جيوش إلى حرب على المجتمعات المدنية.
ذريعة «الاستخدام العسكري»: الاستثناء القانوني في اتفاقيات جنيف تحوّل إلى ثغرة يستغلها كل طرف لتبرير قصف المستشفيات دون رقابة مستقلة.
غياب المحاسبة = مزيد من الانتهاكات: ثقافة الإفلات من العقاب — التي تحميها آلية الفيتو في مجلس الأمن — تُفرغ القانون الدولي من محتواه وتُشجع على المزيد من الجرائم.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت