لا دولة خليجية تحمل ندوب الحرب في وعيها الجماعي كما تحملها الكويت. غزو أغسطس 1990 لا يزال يُحرّك البوصلة الأمنية والسياسية الكويتية بعد أكثر من ثلاثة عقود. ومن رحم تلك الأزمة الوجودية، وُلدت استراتيجية كويتية ثابتة قوامها: لا انجرار إلى مواجهة مع أحد، وقنوات اتصال مفتوحة مع الجميع، وتعاون أمني مع واشنطن دون التحوّل إلى منصة إطلاق لعمليات ضد الجوار.
درس 1990: الذاكرة التي تُحرّك السياسة الكويتية
حين اجتاحت الدبابات العراقية الحدود الكويتية في أغسطس 1990، لم يكن للكويت جيش يُذكر ولا تحالفات مدعومة بضمانات فعلية. التجربة علّمت الكويت أن الضمانات الأمنية وحدها غير كافية، وأن العلاقات الدبلوماسية المتوازنة هي خط الدفاع الأول الفعلي.
سياسة الحياد: اختيار استراتيجي أم ضرورة جغرافية؟
تُحاذي الكويت الحدود البحرية الإيرانية مباشرةً، وتقع ضمن المدى الصاروخي الأقصر لإيران في الخليج. هذا الموقع الجغرافي يجعل الحياد ليس مجرد فضيلة دبلوماسية بل ضرورة حياتية. أي تصعيد مع طهران سيكون الكويت أوّل من يدفع ثمنه.
في المقابل، تُشارك الكويت في مجلس التعاون الخليجي وتستضيف قواعد أمريكية، مما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية الغربية-الخليجية. التوازن بين هذَين الالتزامَين المتناقضَين هو الفن الذي أتقنته الكويت دبلوماسياً.
حدود الحياد: أين الخط الأحمر الكويتي؟
رغم الحياد المُعلن، تُدرك الكويت أن ثمة خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها: أي هجوم مباشر على الأراضي الكويتية سيُفعّل التزاماتها مع واشنطن وتحالفات الخليج تلقائياً. جسر الشيخ جابر - الذي يُشير إليه الإيرانيون كهدف محتمل - هو في المخيال الكويتي رمز وطني لا يمكن المساس به دون رد حاسم.
حل البرلمان 2024: هل يُقوّي ذلك أم يُضعف الحياد الكويتي؟
في مايو 2024، اتخذ أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد خطوة غير مسبوقة بحل مجلس الأمة وتعليق العمل ببعض مواد الدستور المتعلقة بالسلطة التشريعية لمدة أقصاها أربع سنوات، بعد سنوات من الجمود السياسي المتكرر بين الحكومة والبرلمان الذي عطّل تمرير إصلاحات اقتصادية وإدارية مُلحّة. هذا التحول الداخلي يحمل تبعات مباشرة على قدرة الكويت على انتهاج سياستها الخارجية المتوازنة: من جهة، تُتيح مركزية القرار في يد السلطة التنفيذية اتخاذ قرارات دبلوماسية أسرع دون معارضة برلمانية قد تُعقّد التوازن الدقيق مع إيران والغرب معاً؛ ومن جهة أخرى، يُثير الفراغ التشريعي تساؤلات حول الشرعية الشعبية طويلة الأمد لأي التزامات استراتيجية كبرى قد تتخذها الحكومة دون رقابة تشريعية معتادة.
سيناريوهات: ماذا لو اضطرت الكويت لاختيار جانب؟
نهاية الحياد الاضطرارية
الكويت ستتحوّل من دولة وساطة إلى دولة حرب، وتطلب تدخلاً أمريكياً مباشراً. المشهد سيُشبه 1990 لكن مع خصم أكثر قدرةً.
الكويت هي الدولة الخليجية الأكثر نجاحاً في إدارة التوازن الصعب بين الغرب وإيران. نجاحها مستمر طالما بقي الصراع في مرحلة التهديدات. أما اشتعال المواجهة الفعلية، فسيضع هذا التوازن الدقيق أمام اختبار يصعب تجاوزه.
polô
تحليلات معمّقة في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية. نقرأ العالم بعيون مستقلة.