في خريف عام 1991، سقط العلم الأحمر عن الكرملين وحلّ محله العلم الروسي. فُسِّر ذلك الحدث في الغرب بوصفه نهاية التاريخ: انتصار الليبرالية الديمقراطية والاقتصاد السوق الحر على الشيوعية الشمولية، وبداية عصر جديد تقوده الولايات المتحدة نحو نظام دولي يقوم على التعاون متعدد الأطراف وسيادة القانون الدولي. فرنسيس فوكوياما كتب عن "نهاية التاريخ"، وبوش الأب تحدث عن "النظام الدولي الجديد". ثلاثة وثلاثون عاماً مرّت. والسؤال الذي يطرحه المحللون اليوم بصدق أكبر هو: هل ذلك النظام لا يزال قائماً أصلاً؟
01ما كان النظام الذي نشأ بعد 1991؟
لفهم ما إذا كان النظام قد انتهى، لا بد من تحديد ما كان عليه. نظام ما بعد 1991 قام على أربعة أعمدة: هيمنة أمريكية أحادية القطبية، إجماع غربي حول قواعد التجارة الحرة والديمقراطية الليبرالية، مؤسسات دولية متعددة الأطراف (صندوق النقد والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة) تعمل ضمن توافق نسبي، واتجاه عام نحو التوسع في احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
02الشقوق الأولى: من باكو إلى بغداد
بدأت الشقوق مبكراً. حرب البوسنة والإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 أثبتتا أن الأمم المتحدة لم تبنِ قدرة حقيقية لمنع الكوارث الإنسانية. حروب الخليج وأفغانستان أظهرتا أن الهيمنة الأمريكية لها تكاليف باهظة، وأن الانتصار العسكري لا يعني الاستقرار السياسي. الأزمة المالية العالمية عام 2008 زعزعت الإجماع على قيمة النماذج الاقتصادية الغربية.
032022: الحصن ينهار
الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 كان الكسر الأكثر وضوحاً لإحدى أعمق مسلّمات نظام 1991: أن الحروب الإقليمية الواسعة من النوع التوسعي صارت من الماضي في أوروبا. أن دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ودولة نووية تُعلن أن الحدود الدولية المعترف بها تحتاج إلى مراجعة بالقوة، هذا يهدم ركيزتين من أعمدة النظام الذي تشكّل بعد الحرب الباردة.
04الصعود الصيني: تحدٍّ من داخل النظام
ما أضاف بُعداً آخر على الأزمة هو أن الصعود الصيني لم يأتِ كرفض خارجي للنظام بل كتوظيف داخلي له. الصين استخدمت منظمة التجارة العالمية وآليات العولمة المالية لبناء اقتصادها بشكل استفادت منه بصورة غير متوازنة. اندمجت في النظام لاستغلاله، ثم بلغت من القوة حداً يمكّنها من تحدي بعض قواعده بثقة.
05نظام بديل أم فوضى منظّمة؟
السؤال الأصعب ليس ما إذا كان نظام 1991 يتفكك، بل ما الذي سيحل محله. ثلاثة احتمالات تتداولها أروقة العلاقات الدولية: الأول، نظام ثنائي القطبية مخففة تقوده أمريكا والصين معاً كمحورين رئيسيين لعالم متعدد. الثاني، نظام متعدد الأقطاب حقيقي تتوزع فيه القوة على قوى إقليمية متعددة بلا مهيمن واحد. الثالث، فوضى جيوسياسية تُديرها كل دولة مصالحها بعقيدة "السيطرة الذاتية" بعيداً عن أي إطار مؤسسي متعدد الأطراف.
06المؤسسات الدولية: أدوات بلا إجماع
مجلس الأمن الدولي أصبح أداةً مشلولة في أزمات كبرى: روسيا تستخدم حق النقض لمنع أي إدانة لحربها في أوكرانيا. الصين تعرقل أي قرار ضد حلفائها. وحتى في الأزمات التي تحظى بإجماع أوسع، الفجوة بين القرارات والتنفيذ الفعلي شاسعة. هذا لا يعني أن الأمم المتحدة انتهت، لكنها تعمل بأقل مما كان مأمولاً منها.
07الخاتمة: الشيء المسمى "نظاماً"
ربما الإشكال الأساسي في هذه المناقشة هو الوهم الذي صنعه عام 1991 من نظام متماسك وثابت. الحقيقة أن ما بعد الحرب الباردة لم يكن نظاماً بالمعنى الكامل، بل كانت هيمنة أمريكية غير مكتملة الشروط، مصحوبة باتفاق جزئي على قواعد اللعبة. ما يتفكك اليوم ليس نظاماً كاملاً بل ذلك الاتفاق الجزئي. والسؤال ليس "هل انتهى النظام؟" بل "هل سيُبنى غيره قبل أن تتراكم الفوضى إلى حد الانفجار؟" وهو سؤال لا يملك أحد إجابته بيقين.
كيف تستخدم الولايات المتحدة الحروب الإقليمية لاحتواء ثل…
استراتيجية الاحتواء المُحدَّثة — أوكرانيا مع روسيا، وإيران في الشرق الأوسط،…
← اقرأ المقالإيران بعد سنوات العقوبات والضربات: هل الجمهورية الإسلام…
قوة تحت الضغط تُطوّر مناعة ذاتية — الاقتصاد الموازي والبرنامج النووي ومحور …
← اقرأ المقاللماذا تستثمر الصين بكثافة في الذكاء الاصطناعي الحربي وا…
من يملك الخوارزمية يملك المعركة — استراتيجية الاندماج المدني-العسكري وثورة …
← اقرأ المقالهل يستطيع حلف الناتو البقاء وسط انقساماته المتزايدة حول…
التحالف الذي بُني لتهديد واحد يواجه انقسامات حول تهديد آخر — تركيا وأوروبا …
← اقرأ المقال