حين وقّع بنيامين نتنياهو اتفاقيات أبراهام في البيت الأبيض أغسطس-سبتمبر 2020، وصفها بـ«فجر الشرق الأوسط الجديد». لكن هذا الفجر تأجّل: المملكة العربية السعودية — اللاعب المحوري — لم تنضم. وعقب أكتوبر 2023 وما أعقبه من حرب، تجمّدت المفاوضات. ثم جاء 2026 بمتغيّرات جديدة: حرب إيرانية-إسرائيلية مباشرة، حوثيون يُهددون الملاحة الخليجية، ونفط فوق 100 دولار. واشنطن وتل أبيب ترتيان هذه الأزمة فرصةً لإنجاز ما لم يكتمل.
المنطق الاستراتيجي: لماذا تُعزّز الأزمة مقارباتهم؟
الخليج في مرمى تهديدَين متزامنَين
لأول مرة في تاريخه الحديث، يجد الخليج العربي نفسه أمام تهديدَين من اتجاهَين: من الشمال الشرقي إيران التي تُلوّح بهرمز وتخوض حرباً شاملة مع إسرائيل، ومن الجنوب الغربي الحوثيون الذين يضربون الملاحة في باب المندب ويطلقون صواريخ وصلت إلى الأراضي السعودية في فترات سابقة. هذا الحصار المزدوج يُضعف الشعور الخليجي بالأمان ويجعل السؤال ملحّاً: من يُوفّر الحماية الفعلية؟
الرسالة الأمريكية-الإسرائيلية المُضمَرة
الرسالة التي تبثّها واشنطن وتل أبيب — بشكل رسمي أحياناً وغير رسمي أحياناً أخرى — هي: «الخطر الحقيقي على الخليج إيراني وليس إسرائيلياً. إسرائيل هي الشريك الأمني الوحيد في المنطقة القادر على موازنة الإيرانيين. التطبيع لا يعني التخلي عن الفلسطينيين — يعني بناء منظومة أمنية إقليمية». هذه الحجة كانت ستُواجَه بالرفض قبل 2024. أزمة 2026 جعلتها أكثر استساغةً لبعض الأوساط في الخليج.
الورقة الأمريكية: الحماية مقابل التطبيع
ما تُقدّمه أمريكا: الضمان الأمني الأثمن
الولايات المتحدة تُقدّم للسعودية حزمةً أمنية استثنائية تشمل: معاهدة دفاع مشترك رسمية، دعم لبرنامج نووي مدني سعودي بضمانات أمريكية، وأسلحة متقدمة من المحظور سابقاً تصديرها. في المقابل، تطلب واشنطن شيئاً واحداً يُكمل المشهد: تطبيع دبلوماسي سعودي-إسرائيلي يُشكّل تحالفاً إقليمياً جديداً يواجه إيران ويُرسّخ النفوذ الأمريكي في المنطقة.
توقيت الضغط: الأزمة تُقلّص وقت التردد
التكتيك الأمريكي واضح: استخدام حدّة الأزمة الراهنة لتقليص هامش المناورة السعودي والدفع نحو قرار كان يُؤجَّل. الحجة: «الخطر الإيراني-الحوثي لن ينتظر. التطبيع الآن يعني مظلة أمنية أوسع وحلفاء أقوى في مواجهة التهديد المشترك.» هذا الضغط يُشكّل إطاراً لدبلوماسية أمريكية نشطة على جميع المستويات.
حسابات الخليج: ثلاثة اعتبارات متضاربة
الاعتبار الأول: المصلحة الاقتصادية والأمنية
الخليج الراهن — وخاصةً السعودية في عهد محمد بن سلمان — يُفكّر بمنطق برغماتي أكثر من الأجيال السابقة. التطبيع قد يُفتح أسواقاً تقنية واستثمارية جديدة، يُوفّر حمايةً استراتيجيةً ضمنية، ويُعظّم النفوذ السعودي عالمياً. محمد بن سلمان الذي يسعى لجعل السعودية بين أكبر 15 اقتصاداً عالمياً بحلول 2030 يُقيّم المشهد من هذه الزاوية.
الاعتبار الثاني: الضغط الشعبي والديني
في المقابل، لا يمكن تجاهل الرأي العام العربي والإسلامي الذي يرفض التطبيع حتى ترسو تسوية عادلة للقضية الفلسطينية. الصور التي تُبثّها الحرب في غزة ولبنان وما يُلحقها من سياق إنساني مؤلم تُعيق أي زعيم خليجي يُريد تقديم التطبيع لشعبه بوصفه نصراً. هذا الضغط الداخلي ليس هيّناً.
الاعتبار الثالث: الشروط السعودية التي لم تتغيّر
السعودية وضعت ثلاثة شروط صريحة للتطبيع: خطوات جوهرية نحو الدولة الفلسطينية، ضمانات أمنية أمريكية ملزِمة، ودعم البرنامج النووي السلمي السعودي. هذه الشروط لم تتغيّر رغم أزمة 2026 — والحكومة الإسرائيلية الراهنة التي تضم متطرّفين يرفضون حل الدولتَين لن تُوافق على الشرط الأول.
المملكة العربية السعودية: التطبيع المعلّق بين الإغراء والشروط
الشروط السعودية تواجه الجمود الإسرائيلي
معضلة التطبيع السعودي-الإسرائيلي في 2026 تكمن في أن الطرفَين لا يُوافقان على نقطة محورية واحدة: الرياض تريد التزاماً إسرائيلياً بمسار فلسطيني حقيقي. الحكومة الإسرائيلية الراهنة برئاسة نتنياهو وبمشاركة المتطرفَين بن غفير وسموتريتش لا تُريد ذلك. هذا الجمود لا تُذيبه الأزمة الراهنة حتى لو ضاعفت الضغط الأمريكي.
«التطبيع السعودي-الإسرائيلي لن يحدث بأثمان زهيدة. الرياض تريد دولةً فلسطينية، ومعاهدةً أمريكيةً، وبرنامجاً نووياً. وإسرائيل في وضعها الراهن لا تُريد الأول. الأزمة تُزيد الضغط لكنها لا تُحلّ المعضلة.»— تامار هسبان، معهد السياسة الإسرائيلية، تل أبيب، 2025
ما تُغيّره الأزمة: تُزيد الحوافز الخليجية للانضمام لمنظومة أمنية مشتركة مع إسرائيل. تُجعل الحوار الأمني ضرورةً أكثر من كونه رفاهةً دبلوماسية.
ما لا تُغيّره الأزمة: الشروط السعودية الثلاثة. الرفض الشعبي في غياب حل فلسطيني. الجمود الإسرائيلي الداخلي في ظل الائتلاف الراهن.
الأرجح: تعاون أمني سري ومتزايد دون تطبيع رسمي كامل. «التطبيع بلا اتفاق» هو النموذج الواقعي في ظل المعطيات الراهنة.
🖼 الصورة المقترحة: صورة رمزية تجمع خريطة منطقة الخليج مع الأعلام السعودية والإسرائيلية والأمريكية في الخلفية. ألوان ذهبية ورمادية تُعبّر عن التوتر والتفاوض.
polô
تحليلات معمّقة في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية — نقرأ العالم بعيون مستقلة.