في فبراير 2025، سأل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الوزراء الكندي جستن ترودو - أمام الكاميرات - «هل تريد أن تكون الولاية الحادية والخمسون؟» في الشهر ذاته، وصف رئيس الوزراء الدنماركي بـ«غير الجدير» لرفض بيع غرينلاند. وقبلها بأيام، قال عن الملك سلمان إنه «يجب أن يشكر الله» على الوجود الأمريكي في المنطقة. ثلاث حوادث في ثلاثة أسابيع. كلها تتبع نمطاً واحداً: استخدام العداء العلني كأداة ضغط. لكن هل هذا يعمل - أم أنه يُدمّر في الواقع ما بنته أمريكا على مدى عقود؟
«دبلوماسية الصدمة»: نظرية أم فوضى؟
الحجة الترامبية: التوقع غير القابل للتنبؤ ورقة قوة
مؤيدو ترامب يُقدّمون أسلوبه كاستراتيجية مدروسة: الزعيم الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته يُبقي الخصوم في حالة قلق دائم - وهذا بحد ذاته قوة. كتاب «فن الصفقة» الذي كتبه ترامب (أو كُتب باسمه) يُعلّم: «اخلق ضجة، ثم اعرض حلاً». الضغط العلني - حتى حين يبدو وقحاً - يُجبر الطرف الآخر على الدفاع عن نفسه بدلاً من الهجوم.
الحجة المضادة: ما لا يُقاس على الطاولة يُكسر في الظل
المنتقدون يرون أن دبلوماسية الإهانة تكسر رأس المال الاجتماعي الضروري للعلاقات الدولية طويلة الأمد. حين تُهين حليفاً علناً، قد تحصل على تنازل آني - لكنك تُفقد الثقة التي تجعله يُخبرك بمعلومات سرية لاحقاً، أو يتحمّل تكاليف المشاركة في عملية أمنية معك. الدبلوماسية السرية تتغذى على الثقة - والإهانة العلنية تُدمّرها.
إهانة الحلفاء: جرد ما قاله ترامب للأصدقاء
كندا: «الولاية الحادية والخمسون»
ترامب وصف كندا مراراً بأنها «تستغل» أمريكا، وهدّد بإلحاقها بالولايات المتحدة. الرسوم الجمركية 25% التي فرضها أغضبت أوتاوا. ما بدا «مزحة» سرعان ما تحوّل إلى أزمة دبلوماسية فعلية حين علّق ترودو على أن «دولة ذات سيادة لن تُمحى».
أوروبا: «يأكلون على حسابنا»
ترامب لا يُفرّق كثيراً بين الدول الأوروبية - يُعاملها كمجموعة تستفيد من الحماية الأمريكية دون أن تدفع ثمنها. وصف الاتحاد الأوروبي بأنه «أُسّس لاستغلال أمريكا». انتقد ماكرون وميركل وشولتز والزعماء المتتاليين. النتيجة الموضوعية: ضغط حقيقي دفع أوروبا لرفع إنفاقها الدفاعي - لكنه أيضاً أذكى نقاشات أوروبية جدية حول الاستقلالية الاستراتيجية عن واشنطن.
ترامب والسعودية: تاريخ من الحب والضغط
«يجب أن تشكروا الله وأمريكا»: لحظة الإهانة المُعلنة
في خطاب في فبراير 2025، قال ترامب مُخاطِباً دول الخليج بشكل ضمني: «من دوننا، لن تدوموا أسبوعاً. يجب أن تشكروا الله - ثم أمريكا». العبارة أثارت ردود فعل هادئة رسمياً من الرياض - لكن مصادر دبلوماسية خليجية أشارت إلى انزعاج عميق خلف الكواليس. الإهانة التي تُجرع في الصمت أكثر نفاذاً من الإهانة المرفوضة علناً.
لكن المال يهدئ الإهانات
السعودية وعدت باستثمارات في أمريكا بتريليون دولار خلال أربع سنوات من ولاية ترامب. ولقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بترامب في أبريل 2025 كان دافئاً. الرياض فهمت أن لغة ترامب لغة تجارية أولاً - وأن المال يُحوّل الإهانة إلى «مزح بين أصدقاء».
المفارقة المُقلقة: ترامب يُهين الحلفاء ويمدح الخصوم
بوتين «ذكي» وكيم «قائد فذّ»
الإشكالية الكبرى ليست الإهانات وحدها - بل التناقض الصارخ: ترامب وصف فلاديمير بوتين بـ«الذكاء» و«العبقرية الاستراتيجية» عقب الغزو الأوكراني. وصف كيم جونغ أون بـ«رجل العزيمة». واعتبر الرئيس الصيني شي جين بينغ «قائداً استثنائياً». هذا الحرص على عدم إهانة الخصوم مع إهانة الحلفاء يُرسل رسالة استراتيجية يصعب تفسيرها لصالح الحلفاء.
«ترامب يُهين من يُدرك أنهم لن يغادروا - لأن البديل أسوأ بالنسبة لهم. ويُطري من يُخشى أن يُصبحوا تهديداً فعلياً. هذا ليس عشوائياً - لكنه ليس استراتيجية شريفة أيضاً.»- سوزان مالوني، معهد بروكينغز، 2025
ما تُحقّقه: ضغط مالي حقيقي - الحلفاء يدفعون أكثر للدفاع عن أنفسهم. صفقات تجارية أفضل قصيرة الأجل في بعض الحالات. ورقة ابتزاز ناجحة حين يكون الطرف الآخر أضعف.
ما تُدمّره: رأس المال الدبلوماسي - الثقة والمعاملة بالمثل والمعلومات السرية. شبكة التحالفات التي جعلت أمريكا القوة العظمى الوحيدة بعد 1991. ومصداقية الالتزامات الأمريكية.
الخلاصة: دبلوماسية ترامب تُنجز صفقات قصيرة المدى على حساب الجاذبية الاستراتيجية بعيدة المدى. هذه مقايضة - لكن ثمنها الكامل سيتّضح لمن يخلفه في البيت الأبيض.
🖼 الصورة المقترحة: لقطة من قمة دبلوماسية تُظهر طاولة مفاوضات مع أعلام متعددة، بتعبيرات مُحايدة ومُتوترة على وجوه المشاركين. أسلوب صحفي واقعي، ألوان ذهبية وحمراء، يُعبّر عن التوتر خلف البروتوكول الرسمي.
دوكترين ترامب
الاستراتيجية الشاملة
← اقرأ المقالالسعودية والأمن الخليجي: منظومة الدفاع في مواجهة التهديدات
الإنفاق الدفاعي والتحالفات والتهديدات الإيرانية — منظومة الأمن الخليجي في الميزان
← اقرأ المقالالناتو ما بعد أمريكي
ما تُنتجه الإهانات الأوروبية
← اقرأ المقالبريكس ضد الغرب
من يكسب من الفجوة الأمريكية-الحليف
← اقرأ المقالعقيدة ترامب: أمريكا أولاً وتفكيك النظام الدولي …
عقيدة ترامب في الشرق الأوسط
← اقرأ المقالعودة الترامبية: تحولات النظام العالمي
عودة ترامب وتداعياتها
← اقرأ المقالالسعودية والأمن الخليجي: منظومة الدفاع في مواجه…
الأمن الخليجي في عهد ترامب
← اقرأ المقالالأزمة كفرصة: كيف توظّف أمريكا وإسرائيل تهديد ا…
الضغط على دول الخليج
← اقرأ المقال📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت