من النادر أن تشكّك إمبراطورية في نفسها في ذروة قوّتها المادّية. وهذا بالضبط ما تفعله الولايات المتحدة منذ عقد ونصف. لا تزال تملك البحرية الأقوى، والدولار المرجعي، والتحالفات الأوسع. ومع ذلك، يسيطر على نخبتها السياسية شعور غامض بأنّ "وقت القيادة" قد ولّى، أو على الأقلّ أصبح أغلى من أن يُحتمل.
هذا التذبذب ليس ضعفاً عابراً. إنه انعكاس لتحوّل بنيوي في كيفية فهم الأمريكيين لأنفسهم في العالم. وهو التحوّل الذي يصنع، أكثر من صعود الصين أو عدوانية روسيا، ملامح النظام الدولي القادم.
رقم واحد لا يتغيّر: الميزانية العسكرية
بالأرقام، لا تزال أمريكا تتفوّق على الدول التسع التالية مجتمعة. لكنّ الأرقام تخفي شيئاً أهمّ: مفعول هذه القوّة في تشكيل الأحداث أصبح محدوداً أكثر من أيّ وقت مضى.
أزمة "الدولة التي لا غنى عنها"
في تسعينيّات القرن الماضي، أطلقت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت العبارة الشهيرة: "إذا كان علينا استخدام القوّة، فلأنّنا أمريكا، الدولة التي لا غنى عنها". كانت تلك لحظة الذروة الأمريكية. اليوم، لا تجرؤ وزارة خارجية على تكرار العبارة نفسها.
"المشكلة ليست أنّ أمريكا لم تعد قوية، بل أنّها لم تعد متأكّدة ممّا تريد أن تفعله بقوّتها." — من كتاب "الانسحاب الكبير" لريتشارد هاس، ٢٠٢٥
يتجلّى هذا التردّد في ملفّات عدّة: البطء الأمريكي في دعم أوكرانيا، التردّد في الردّ على الحوثيين في البحر الأحمر، الانسحاب الفوضوي من أفغانستان ٢٠٢١، والتراجع التدريجي من الشرق الأوسط.
ثلاث مدارس فكرية تتنازع واشنطن
| التيار | الرؤية | الموقف من الصين | الموقف من أوروبا |
|---|---|---|---|
| المحافظون الجدد (ضعفاء اليوم) | أمريكا ضامن النظام العالمي الليبرالي | المواجهة والاحتواء | تحالف استراتيجي دائم |
| الواقعيّون المُقيّدون | التركيز على المنافسة الكبرى مع الصين | المنافسة الحذِرة | شريك مُكلف، يجب أن يدفع حصّته |
| "أمريكا أوّلاً" | لا أعباء خارجية دون مكاسب واضحة | صفقات ثنائية تجارية | عبء أخلاقي يُستنزَف به |
الصراع بين هذه المدارس ليس مجرّد نقاش أكاديمي. إنه ينعكس في كلّ انتخابات رئاسية، وفي كلّ تعديل وزاري، وفي كلّ قرار يخصّ تخصيص مليار دولار إضافي لأوكرانيا أو لتايوان أو لإسرائيل.
العبء الإمبراطوري: الدَّين العام كقدر
لأوّل مرة منذ ١٩٤٥، أصبح الدَّين الفدرالي الأمريكي يتجاوز ١٢٠٪ من الناتج المحلّي الإجمالي. فوائد هذا الدَّين وحدها تستهلك الآن أكثر من ميزانية وزارة الدفاع. وهذا يخلق معضلة استراتيجية: هل يمكن لإمبراطورية أن تحافظ على وجودها العالمي بينما تستنزفها الفوائد المالية؟
خريطة الانسحاب الانتقائي
الشرق الأوسط: التخفيف، لا التخلّي
منذ عهد أوباما، اتّبعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خطّاً واحداً رغم اختلاف خطابها: تقليل الوجود العسكري في الشرق الأوسط دون الانسحاب الكامل. اليوم، أقلّ من ٣٠ ألف جندي أمريكي في المنطقة، مقابل ذروة ١٨٠ ألفاً في ٢٠٠٨.
أوروبا: "تحمّلوا كلفتكم"
الضغط على دول الناتو لرفع إنفاقها العسكري إلى ٣٪ من الناتج المحلّي ليس طلباً دوريّاً بل شرطاً ثابتاً. واشنطن تعيد توزيع أعبائها: أنت، يا أوروبا، مسؤولة عن أمنك القارّي. نحن نحتفظ بقدراتنا لآسيا.
آسيا: المحور الحقيقي
هنا فقط يبقى الالتزام الأمريكي كاملاً، لأنّ المنافسة مع الصين هي الرهان الوجودي الوحيد الذي يُجمع عليه اليمين واليسار الأمريكيّان. قواعد جديدة في الفلبين، تعزيز التحالف مع أستراليا (AUKUS)، وعودة اليابان إلى لعب دور عسكري فعلي.
السيناريوهات لعقد ٢٠٣٠
قيادة انتقائية
أمريكا تحافظ على التزامات آسيا، تُقلّص وجودها الأوروبي والشرق أوسطي، وتفرض على حلفائها دفع حصّة أكبر. نموذج "الشريك الأكبر، لا الزعيم الأوحد".
انعزالية منظّمة
موجة ''أمريكا أوّلاً'' تستمرّ، وتؤدّي إلى تقليص جذري للالتزامات الخارجية، مع احتفاظ بالردع النووي كآخر خطّ.
استعادة الثقة الاستراتيجية
صدمة خارجية (نزاع كبير حول تايوان مثلاً) تُوحّد الاستقطاب الداخلي وتُعيد بناء إجماع وطني حول القيادة العالمية.