في خطاب ١٩٩٢ الشهير، أعلن الرئيس جورج بوش الأب عن "نظام عالمي جديد" بقيادة أمريكية لا منازع. بعد ثلاث وثلاثين عاماً، يعلن كلّ شيء عكس ذلك. أمريكا لا تزال القوّة الأولى، لكنّها لم تعد الوحيدة. الصين لحقت بها اقتصاديّاً في بعض المؤشّرات. روسيا تحدّتها عسكريّاً في أوراسيا. والهند، وتركيا، والبرازيل، والخليج العربي يفرضون أنفسهم كأقطاب متوسّطة.
ما يتشكّل ليس عالماً ثنائي القطبية على غرار الحرب الباردة. إنّه عالم "الأقطاب الخمسة أو السبعة"، أكثر تشابهاً بالنظام الأوروبي في القرن التاسع عشر منه بأيّ نظام حديث.
القوى الخمس (أو السبع) الكبرى
| القوّة | الميزة الرئيسية | الضعف الرئيسي |
|---|---|---|
| الولايات المتحدة | التحالفات + الدولار + الابتكار | الاستقطاب الداخلي |
| الصين | التصنيع + السكّان + العزم الاستراتيجي | الديموغرافيا والديون |
| الاتحاد الأوروبي | القوّة الاقتصادية + القانون | ضعف السياسة الخارجية الموحّدة |
| روسيا | السلاح النووي + الموارد | الاقتصاد والديموغرافيا |
| الهند | السكّان + النموّ + الموقع | التحدّيات الداخلية |
| الخليج | الثروة السيادية + الطاقة | الحجم السكّاني المحدود |
| تركيا/إيران/البرازيل | قوى إقليمية صاعدة | اقتصادات هشّة |
المؤسّسات الدولية: أزمة شرعية
مجلس الأمن الذي يعكس عالم ١٩٤٥ لا يعكس عالم ٢٠٢٦. الأمم المتحدة تواجه أزمة شرعية غير مسبوقة. صندوق النقد والبنك الدولي يُرى فيهما ذراع غربي. منظّمة التجارة العالمية مشلولة. ما ينتج عن هذا ليس انهيار المنظومة، بل تآكلها تدريجيّاً لصالح ترتيبات ثنائية أو متعدّدة محدودة.
"المؤسّسات التي بُنيت لإدارة عالم أحادي القطب لن تستطيع إدارة عالم متعدّد الأقطاب. إمّا أن تتكيّف، أو تُستبدل." — كيشور محبوباني، دبلوماسي سنغافوري، ٢٠٢٣
الأيديولوجيا: عودة الصراع المعرفي
الديمقراطية الليبرالية، التي بدت في ١٩٩٠ كنموذج لا ينافَس، تُواجه اليوم تحدّياً من نموذجَين متمايزَين: "الرأسمالية السلطوية" الصينية، و"الديمقراطية غير الليبرالية" التي مثّلتها المجر وتركيا وغيرهما. كلّ نموذج يدّعي الكفاءة والشرعية بأسلوبه.
خطوط الصدع الجديدة
خطّ التكنولوجيا
سباق الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة الكمّية، لا يعرف توازناً. من يسبق بخمس سنوات في هذه التقنيات، قد يصنع فارقاً استراتيجيّاً غير قابل للردم.
خطّ المعايير
من يكتب معايير الإنترنت، الذكاء الاصطناعي، العملات الرقمية، المناخ؟ الصين تدفع نحو معايير بديلة للغربية. هذا صراع صامت لكنّه محدّد للعقود القادمة.
خطّ المعادن والمناخ
التحوّل الأخضر يخلق اعتماديّات جديدة. السيطرة على معادن الانتقال (ليثيوم، كوبالت، نيكل، نادرة) قد تُعيد رسم التحالفات كما فعل النفط في القرن العشرين.
ثلاثة سيناريوهات للعقود القادمة
توازن متعدّد الأقطاب مُدار
لا قوّة واحدة تُهيمن. التنافس يبقى دون حرب كبرى. المؤسّسات تتكيّف ببطء. عالم مشابه جزئيّاً لأوروبا القرن التاسع عشر.
حرب باردة مزدوجة
الغرب يتكتّل، وروسيا-الصين تتكتّلان، وقوى متوسّطة تُناور بينهما. عالم مُنقسِم لكن بلا مواجهة مباشرة.
مواجهة كبرى
حادثة حول تايوان أو في أوروبا الشرقية تُطلق دورة تصعيد لا يُمكن السيطرة عليها. أسوأ السيناريوهات وأقلّها ترجيحاً، لكنّه ليس مستحيلاً.